السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٣٣

إليها برؤية إسلامية. هذا التناول هو في حقيقته نوع من الحرب التي خاضها الجزائريُّون مع فرنسا عدوَّة الإسلامِ والعروبة؛ وذلك بالوقوف أمام أساليبها الهادفة إلى قطع صلتها بالمشرق الإسلامي، وبتر انتمائها إلى الأصالة الإسلامية، أو تشويههما على الأقلَّ.

هذا التفسير الديني للأحداث السياسية في العالم الإسلامي له ما يبرِّره؛ إذ أنَّه تعبير نفسي عن الاغتراب، الذي يشعر به الجزائريُّون وسط قمع استعماري بغيض، يسلب الحرية، ويُحارب الانتماء، ويقضي على الأصول، وينغِّص الحياة. وهو أيضا تعويض عمَّا حرموه في وطنهم الأصلي؛ إذ وجدوا في التعبير عن قضايا العالم الإسلامي والعربي متنفَّساً من الكمد الذي يملأ قلوبهم.

الأدب الجزائري الساخر نشط وسط هذه الأجواء المحمومة، وهذا الصراع المرير، وتحرَّك بوازع الحميَّة الدينية، فسجَّل حضوره في هذا المجال وعالج كثيراً من القضايا الإسلامية. ونحن إذ نعرض لهذا التناول، ولهذه المعالجة نكتفي بقضية واحدة، شغلت وما تزال تشغل بال الأدباء الجزائريِّين بخاصة، إنها قضية فلسطين؛ لأنَّ قصدنا هو تقديم نموذج من تناول الأدب الجزائري الساخر للقضايا الإسلامية، ولم يكن هدفنا إجراء مسح أو جرد لما عالجه هذا الأدب من هذه القضايا.

لم يسجِّل في الأدب الجزائري اهتمام بقضية إسلامية -سياسيًّا- مثلما سجَّل لقضية فلسطين. فقد كان لها حضور كبير في هذا الأدب، منذ أن بدأ الحديث عنها في الزوايا والأماكن الخاصة، ومنذ كانت القضية أفكاراً تعرض، وحديثاً عادياًّ يتداول، ومنذ كانت إرهاصاتها تلوح في الأفق(1). وقد تتبَّع الأدب الجزائري تفصيلات القضية وتطوّراتها، وعالجها معالجة جادَّة ودقيقة، وقد عرف الأدباء خبايا القضية: خوافيها وقوادمها. عرفوا دسائس الصهيونية ومناوراتها، وفقهوا انعكاسات كلِّ ذلك ونتائجه؛ لأنَّهم ذاقوا استعماراً لبلادهم مشابهاً للاستعمار

(1) ينظر في الموضوع مثلاً: عيون البصائر، ص: 483 - 513، والمقالة الصحفية الجزائرية … مج 1، ص: 397 وما بعدها، وقضايا عربية في الشعر الجزائري المعاصر، ص: 41 وما بعدها.

١٣٣ / ٤٩٤