السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٣٤الصهيوني، فعرفوا مرارة الضيم والقهر الاضطهاد، وقدَّروا معنى التضحية لأجل استرجاعِ الحرية والكرامة. ولهذا كان تنديد الأدباء الشديد بقوى الاستعمار بعامة هو تنديد ومقاومة غير مباشرة للاستعمار الفرنسي في الجزائر. وكان الكشف عن مؤامرات اليهود والصهيونية في فلسطين هو كشف عن مؤامرات فرنسا ومناوراتها في الجزائر. كما كان لما ذاقه الجزائريُّون من أذى، وما جرَّعهم اليهود من مرارة في مختلف الميادين وما أصابهم من كيدهم. كان لكلِّ ذلك دور في اشتداد حقد الجزائريِّين على اليهود والصهيونية.
هذه العوامل وغيرها دفعت الأدباء إلى التصدي لليهود، والكشف عن دسائسهم، وخطرهم على الدين والقومية(1). وهو ما نفحنا بهذه الكتابات الضافية عن فلسطين وما يتَّصل بها. "فمغفَّل" مثلاً يرسل هذه الزفرة متحسِّراً من تصرُّفات الغرب، ومن قساوة قلوبهم وخبثها، يرسل هذه النفثة؛ حين لحظ انعدام الرحمة في القلوب نحو المسلمين، إذ يموت أحدهم كمداً، وينتحر لكلب أو حيوان عزيز عليه يفقده، ولا يشفق على شعبين كاملين يحترقان ويموتان: "ينغِّصني أن يعمد أحد الذَّوات العاليين من الإنقليز بفرنسا، فينتحر لأجل احتراق كلبين له في حريق، أكل له الأخضر واليابس، ولا تحدِّثه نفسه بمثل تلك الفعلة لأجل احتراق شعبين كاملين: مصر وفلسطين مثلا … الخلق كلُّه عيال الله … "(2).
يلحظ في النص الجانب النفسي في التناول والعرض. فالقلب مكلوم والنفس مجروحة والحياة منغَّصة، بسبب هذا التصرف البعيد عن الإنسانية. وقد جسَّدت هذه الحالة وهذه السخرية عبارة "لا تحدِّثه نفسه … "وعبارة "الخلق كلُّه عيال الله" كما كشفت عن التهكم المقارنةُ بين شعبين وكلبين. كما أنَّ للإمضاء بـ "مغفَّل" دلالة نفسية عميقة على حالة الشعور بالإحباط والإهانة …
(1) ينظر المقالة الصحفية الجزائرية … مج1، ص: 397،398.
(2) مغفَّل (وهو أبو اليقظان)،"منغِّصاتي"،البستان، ع:7 (13/ 06/1933م).