السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٣٥وفي سياق إظهار الحسرة وتصوير الفاجعة يفصح محمد البشير الإبراهيمي(1) عن حقيقة الصهيونية، التي هي استغلال واستعباد وقضاء مصالح، وهي تعتمد في كلِّ ذلك على "الحاخام" والصيرفي والتاجر، وتتذرَّع بالتوراة والبنك والمصنع. هذه الأشياء حتىَّ ولو كانت من متطلَّبات الحياة، فإنَّها عند الصهيونية مسخَّرة لمآرب دنيئة وأغراض مادية بحتة. هذا ما جعل الصهيونية محلَّ سخرية الكاتب وتهكمه واحتقاره(2).
تطوَّرت قضية فلسطين وتفاعلت أحداثها، وجاء قرار التقسيم، فكانت الفاجعة الكبرى، التي أنكأت الجرح، فانبرى محمد البشير الإبراهيمي يسجِّل هذه الحادثة بكلِّ مرارة. كتب واصفا قرار التقسيم؛ مبتدئا بالشكوى من ظلم الغرب وحيفه وقُسُوطه، فكان منه هذا التهكم الممزوج بالحزن، الذي يسعى من خلاله التنفيس عمَّا في نفسه من كمد: " … وتكشَّف ذلك اللبس الذي دام عشرات السنين عن الحقيقة البيضاء، وهي أنَّ حقَّ الشرق لا وليَّ له في الغرب ولا نصير، وجاء بها المجلس الذي يسمّونه – زورا- مجلس الأمم المتَّحدة شنعاء لا توارى من أحكام القاسطين وأحلام الطامعين"(3).
تابع الكاتب وصف قرار التقسيم، والكيفية التي تمَّ بها؛ مفصحاً عن أساه وحسرته الملفوفين بلفافة السخرية. فبيَّن أنَّ المناقشة دارت حول من هو أحقُّ بأرض فلسطين: العرب أم اليهود، فظهر الحق بأدلَّته الواضحة، وانكشف الباطل بدعاويه المقطوعة عن أدلَّتها: "وأنصت التاريخ ليسجِّل الشهادة، واستشرف الكون لينظر هل تخرق للأقوياء عادة، ونشر الأصل والدعوى وتعارضت البيِّنة والشبهة، وأجرَتها الحقيقة بوضوحها فحكِّموا الانتخاب"(4).
(1) اكتفينا في الموضوع بما كتبه الشيخ محمد البشير الإبراهيمي فقط، لأنَّه أحسن من كتب عن قضية فلسطين فكراً وأسلوباً. ما دام هدفنا التمثيل لمعالجة الأدب الجزائري الساخر للقضية فحسب.
(2) ينظر عيون البصائر، ص: 485.
(3) م. س، ص: 488. المقال بعنوان "وصف قرار التقسيم". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 21 (02/ 02/1948م).
(4) م. ن.