السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٣٦اختار الكاتب لهذه الوصفة، وهذه الصورة المفصحة عن التهكم الحزين نسيجاً من العبارات الموحية، والراسمة ظلالاً من المعاني والمشاعر. فالتاريخ ينصت بوعي ويقظة تامَّين ليسجِّل شهادته فيما يتمخَّض عنه النقاش والجدال، وتطلَّع الكون واشرأبَّ، واتَّخذ لنفسه مكاناً عاليًا يراقب منه ما يسفر عنه الصراع والنِّزال في القضية، مُنتظراً هل تحدث المفاجأة ويهزم الأقوياء؛ بسبب وهن حُجَجِهم، وضعف أدلَّتهم فيما يدَّعونه، وهل ستخرق العادة التي تعطي الحقَّ للقويِّ مهما تكن أدلَّته ودعاويه. في هذا التساؤل سخرية وتهكم وحسرة في آن واحد. فبالرغم من تعارض البيّنة من أهل الحقِّ مع الشبهة من أهل الباطل، واتِّضاح الحقِّ وافتضاح الباطل، فإنَّ تلك الأمم المدحورة بالحجج اتَّحدت في باطلها، فقرَّرت الانتخاب وإجراء التصويت.
يتساءل الكاتب عن جدوى الانتخاب ونتيجته معروفة مسبَّقاً. إنَّها في صالح من له وليٌّ ونصير، ومحامٍ في الهيئة التي تشرف على الانتخاب، بينما الشرق الذي لا وليَّ له ولا نصير، فمآله الخسران والخذلان: "وليت شعري أيُّ موضع للانتخاب هنا؟ إنَّ تحكيم الانتخاب هنا كتحكيم القرعة بين أصحاب الحظوظ المتفاوتة، كصاحب العُشُرِ مع صاحب النصف، كلاهما باطل، ولا يسيغه عقل ولا شرع، وأيُّ فرق بين ما نعيبه من تحكيم الجاهلية الأزلام الصمَّاء وحصى التصافُن، وبين تحكيم أصوات من أموات، وويلات سمُّوهم ممثِّلي دويلات؟ "(1).
الكاتب يسخر من هذه الدول المتَّحدة على الباطل، ويعيب عليها لجوءها إلى الانتخاب؛ تحايلا ومراوغة، بعد أن انهزمت أمام الحقِّ، الذي أبان عن مستحقِّ الأرض. لكي يُفصح عن هذه المهزلة، ويكشف عن مدى احتقاره هؤلاء الناس، نسب فعلهم إلى عمل الجاهلية، الذي يحتكم إلى الأزلاَمِ الصمَّاء والحصى الجامدة. وهو ما يكشف عن تخلُّفٍ في العقل وأفَنٍ في الفكر؛ لأنَّه يوحي إلينا أنَّنا ما نزال نعيش في الجاهلية؛ التي نعيب عليها السفاهة والحمق والجهل. حتَّى لو كان هذا التهكم لا يعني شيئاً بالنسبة إلى الدول القاسطة الجائرة في حقِّ الشرق؛ لأنَّه تعيير
(1) م. س، ص: 489.