السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٣٧

بما لا يؤثِّر فيها. إلاَّ أنَّه يبقى أثراً نفسيًّا صدرمن الكاتب، يعبِّر عن حالة الأسف والتحسُّر، يخفِّف – ولو قليلا - من الكمد الكامن في قلبه.

ظلَّ الألم يعتصر قلب الكاتب، والبرحاء يتضخَّم فيه - رغم محاولته إخراجه والتخلُّص منه - كلَّما تطوَّرت القضية، وكلَّما تأمَّل في خفاياها، وتظلُّ مشاعره تضطرم وتتفاعل في نفسه، كلَّما تأمَّل في حالة المسلمين ومدى تجاوبهم مع القضية، وردود فعلهم. فسجَّل حسرته وأسفه على ما تفضَّل به المسلمون من جهد وعمل في صالح القضية الفلسطينية، وفي مواجهة قرار التقسيم. وقد كان ذلك كلاماً وخطباً وآراء لا تسمن ولا تغني من جوع. قال متأوِّهاً ساخراً: " أيَّها العرب! قُسِّمت فلسطين، فقامت قيامَتُكم، هدرت شقائق الخطباء، وسالت أقلام الكتَّاب، وأرسلها الشعراء صيحات مثيرة، تحرَّك رواكد النفوس، وانعقدت المؤتمرات، وأقيمت المظاهرات … "(1).

الكاتب من خلال هذه الكلمات، وهذا الوصف يدغدغ عواطف الكتَّاب بشيءٍ من التهكم اللطيف، الذي هو عتاب رقيق على مواقفهم وسلوكهم، الذي لا يضيف للقضية شيئاً يفيدها، إلاَّ أن يعطي الفرصة للعدوِّ كي يتمادى في غيِّه، ويساعد اليهود على المضيِّ في احتكار الحقِّ المسلوب، فالخطباء يهدرون، والكتَّاب يسيلون الأقلام، والشعراء يثيرونها صيحات، والمظاهرات تقوم هنا وهناك. والمؤتمرات تعقد بالجملة، ولكن ما هي النتيجة؟ وماذا "كنتم ترجون من الدول المتَّحدة على الباطل غير ذلك؟ وهل كنتم تعتقدون أنَّه مجلس أمم كما يزعم؟ كأنَّ تلك الأمم وحَّد بينها الانتصار على الألمان النَّازي واليابان الغازي، فجعلت من شكر الله على تلك النعمة أن تنظم أُممَ العالم في عقد من السلام والحرية، تستوي فيه الكبيرة والصغيرة، ودُولَه في مجلس تستوي فيه القوية والضعيفة ليقيم العدل، ويُنصف المظلوم"(2).

(1) م. س، ص: 490.

(2) م، ن.

١٣٧ / ٤٩٤