السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٣٨

وصل التوتر النفسي بالكاتب إلى درجة كبيرة؛ بسبب عدم جدية المسلمين في إيجاد حلٍّ للقضية الفلسطينية، وحفظ ماء الوجه. وإنقاذ الكرامة، من جرَّاء المهازل التي يرتكبها الأعداء في حقِّ أصحاب الحقِّ، ونتيجة آيات الذلِّ التي يتعرَّضون لها. وقد بلغ به التذمُّر والقلق إلى أن يتهكم أيضاً بالغرب ومناوراته، وادِّعاءاته إقامة العدل وإنصاف المظلوم، متَّخذاً مجلس الأمم المتَّحدة مثلاً على ذلك. هذا المجلس الذي جمع كلمته، ووحَّد صفوفه لينشر السلام والحرية في العالم؛ شكراً لله على نعمة الانتصار على الألمان واليابان، وكانت النَّتيجة إعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقَّه، على طريقته الخاصة ومفهومه للعدل. فكان ما حدث، وكان تقسيم فلسطين.

هذا ما يمكن استنتاجه من نصِّ الإبراهيمي، الذي كان ينبِّه المسلمين إلى الاستفاقة من غفلتهم، وأخذ الحذر من هؤلاء الأعداء واتِّخاذ الحيطة، وإعداد العدَّة؛ لمواجهة الأخطار المحدقة بهم، هذا ما يشير إليه تساؤله: "وهل كنتم ترجون من الدول المتَّحدة على الباطل غير ذلك؟ وهل كنتم تعتقدون أنَّه مجلس أمم كما يزعم؟ ".

إنَّ تخاذل المسلمين، وإفراطهم في الثقة في وعود المتحكِّمين في مصائر الناس، وشؤون العالم جرَّأ هؤلاء الأقوياء على التلاعب بمشاعر المسلمين وعواطفهم، والمراهنة على مستقبلهم، فنفَّذوا مخطَّطاتهم، وأنجزوا وعودهم الخاصة بهم، لماذا؟ لأنَّهم: "وازنوا بين ما نملك من قوى مادية، نستطيع بها الممادَّة في الجهاد، وبين ما يملك الصهيونيُّون من ذلك، ودرسوا وقارنوا واستنتجوا واستخدموا الجمع والطرح، فأنتجت لهم المقدّمات هذه الحقائق، وهي أنَّنا لا نملك مصنعاً للسِّلاح، ولا معملاً للكيمياء، ولا رجالاً فنِّيين، كالذي يملكه اليهود من كلِّ ذلك. وأنَّ ثلاثين سنة مرَّت – وكلُّها نذر بهذه العاقبة - لَم توقظنا من غفلتنا، ولَم تدفعنا إلى الاستعداد لها؛ فقالوا: نقسِّمها ونربح اليهود لأنَّ لنا فيهم فائدة معجَّلة ولا نخشى العرب، لأنَّه ليس فيهم مضرَّة مؤجلَّة"(1).

(1) م. س، ص: 493. المقال بعنوان " العرب واليهود في الميزان عند الأقوياء "نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 22 (29/ 02/1948م).

١٣٨ / ٤٩٤