السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٣٩إذن فالأقوياء لم يفعلوا تلك الفعلة، وهي التقسيم، وسلب حقِّ المسلمين، إلاَّ لماَّ وازنوا وقارنوا وقدَّروا واستخدموا الجمع والطرح، ودرسوا الأمر بجدية وعمق، وعرضوا مقدِّمات هي: أنَّ المسلمين لا يملكون من وسائل الحياة ما يمكِّنهم من المحافظة على كيانهم، فضلاً عن أن يفرضوا أنفسهم على الغير، ولا أن يصمدوا أمام أية مقاومة أو هجوم. فولَّدت لهم هذه المقدِّمات نتائج وخيمة وهي أنَّ السيطرة على المسلمين ممكنة، وقهرهم هو في مقدورهم. هذا هو التهكم عينُهُ والسخرية ذاتها، وقد صدراَ ممَّن ملئ قلبه كمداً وحسرة على تخلُّف المسلمين وسذاجتهم؛ اللذين جعلاهم صيداً ثميناً مهيَّأ للغير.
يزداد حنق الكاتب على هؤلاء المتخاذلين وهؤلاء المقهورين، ويتعجَّب منهم كيف يعيشون في غفلة، ولا يعتبرون بالأحداث ولا ينظرون إلى المستقبل بعين فاحصة، رغم ظهور علامات تنذر بهذا المصير المشؤوم، وهو ما حمل الأقوياء الأعداء على تقرير مصير المسلمين بكل سهولة وبساطة(1).
كم هي موحية ومعبِّرة وساخرة عبارة "وقالوا" إنَّها تحمل دلالات نفسية عميقة، تترجم عن نفس الكاتب المتحسِّرة المصدورة، التي تتنزَّى ألماً على هوان نفوس المسلمين على الغير. ويتعمَّق شعور الكاتب بهذا الإحباط النفسي فيرسلها سخرية لاذعة حزينة، فيتكلَّم بلسان الغير، وهو يسقط مشاعره على ما توحي به الأحداث، وتنطق به الحوادث. وهي أنَّ قيمة اليهود أثمن من مكانة العرب؛ لأنَّ اليهود فيهم منفعة معجَّلة والمسلمين ليست فيهم حتَّى مضرَّة مؤجَّلة.
بهذه المقابلات الطريفة بين العرب المسلمين واليهود، ومدى ما يتوفَّر عليه كلِّ طرف من قوى مادية ومعنوية. وبهذا العرض النفسي الذي انتزعه الكاتب بواسطة خياله، والذي يتعلَّق بما يشعر به الغرب، ويحسُّ به نحو المسلمين، وهو: أنَّهم مجموعة أو كتلة من الذُّلِّ والهوان والقصور … وقد جَرَّأ ذلك الغرب لكي ينحاز إلى اليهود الأقوياء، الذين فيهم منفعة وفائدة، ويتعصَّب ضدَّ المسلمين؛
(1) ينظر هذه الأفكار والمشاعر نفسها المصدر السابق، ص: 594.