السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٤٠لكونهم لا يشكِّلون خَطَراً عليه. ومن هذه الإيماءات الشعورية النفسية العميقة الخفية، التي أبرزها الكاتب بهذا الأسلوب وبهذه الطريقة … تكمن الجمالية الفنية الساخرة، التي تكشف عن صدق العواطف، وعن واقعية التناول، وترمي إلى تحريك النفوس، وهزّ المشاعر للنهوض للقيام بالواجب نحو فلسطين.
لكنَّ الكاتب - مع كلِّ ذلك - لم يرد أن يبقى مع هذا الشجن، وهذا الإحساس (إظهار مهانة المسلمين وتخاذلهم) ممَّا من شأنه أن يرفع من قدر اليهود. فتصدَّى لهؤلاء الأقوياء، يسفِّه أحلامهم، وينتقد خطَّتهم في قهر المسلمين، ويفنّد رأيهم ونظرتهم إلى المسلمين، وتعرَّض لليهود يكشف عن حقيقتهم، ويذكر مخازيهم بغير قليل من السخرية والتهكم، اللَّذين لا يعدوان أن يكونا تنفيساً عن قلب مجروح ونفس مكلومة، لا يؤثِّران في المسخور منه: " كان حظُّ فلسطين في أدوار الزمن وأطوار التاريخ وعصور الفتوحات حظَّ العقيلة الكريمة، تؤخذ في ميدان البطولة ممهورة لا مقهورة، أخذها البابليُّون غلابا، وأخذها الفرس اغتصاباً، وأخذها الرومان اقتساراً، وأخذها العرب اقتداراً، ولا يعد أخذ اليهود لها من كنعان واحدة من هذه"(1).
يسخر الكاتب ويشمت من اليهود؛ حين يسلب منهم صفة القوَّة والعزَّة والبأس، إذ أنَّ كلَّ الأمم التي سكنت فلسطين، أو تعاقبت عليها، كان لها مبرِّر من القوّة في امتلاكها، إلاَّ اليهود الذين لم يظهروا بأساً في أخذها؛ لأنَّ امتلاكها كان: "كتابة الله بشرطها، ومعجزة موسى في حدودها"(2). واضح من هذه الفقرة أنَّ الكاتب يقصد التعيير والشماتة باليهود؛ شفاءً لما في قلبه من غلٍّ وحنق عليهم.
لكنَّ جرحه ينكأ، وحزنه يتجدَّد. وألمه يتضخَّم حين يشاهد مفارقات في الحياة ومتناقضات في هذه القضية، تجعلها بضاعة مزجاةً وغرضاً خسيساً يباع في الأسواق، ويساوم فيه، فيقول معرِّضا بهؤلاء الأقوياء والأعداء، الذين يدَّعون أنَّهم