السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٤٣كوَّن الكاتب هذه السخرية الحزينة باعتماده على استخراج كوامن الألم والأسى في النفس، وبواسطة تصويره الرائع لهذا التذمُّر والقلق النفسي. فالعيون تكون غافية وغاضَّة عن جرائم اليهود، بينما تكون متيقِّظة ومتربِّصة بكلِّ ما يفكِّر المسلمون في القيام به من أعمال، ولو كانت مشروعة منطقاً وشرعاً. وللاستعمار قاموسٌ خاصٌّ يشتمل على مجموعة من المحرَّمات على المسلمين، يكون مرجعاً لاستخراج عقوبة لكلِّ ما يقوم به المسلمون من أعمال، وما يبدونه من حركات، ويكون سهلا عليه وضع اسم لكلِّ حركة، وربطها بقانون مهيَّأ لوقت الحاجة.
فالتهكم الحزين قوامه في النص كلمات منتقاة مكثَّفة، وصور متخيَّرة موحية، ونسيج مترابط منسَّق. من كلِّ ذلك جاءت الفقرة قطعة من النفس المكلومة.
يستمرُّ الكاتب في سرد الفوارق في المعاملة بين الفريقين في التحيُّز إلى جانب اليهود المعتدين والتعصُّب ضدَّ المسلمين المنتصفين لأنفسهم؛ لاسترجاع حقوقهم المسلوبة، ثمَّ يرسلها زفرة حارَّة، ممزوجة وملفوفة في ثوب منَ التعيير والثلب والقدح والشماتة، كما تعوَّد على ذلك في كلِّ مرَّة يشتدُّ فيها حنقه على اليهود، ويتضاعف كرهه لهم؛ بسبب استفزازاتهم وتحرُّشاتهم: " … آمنَّا الآن – على بداوتنا- بأنَّ العالم المتحضِّر قد تهوَّد، وآمنَّا بأنَّ السحر الذي أبطله موسى قد أحياه أشياعه، ولكن بغير أدواته. أبطله بعصا الخشب، وأحيوه بحبال الذهب. وآمنَّا بسفسفة القضايا العقلية التي تحيل اجتماع الضدَّين، حين رأينا التضادَّ يجمع طرفيه في دائرة مغنطيسية، فإذا هو ممكن، وإذا عقيدتا الصَّلب لعيسى والتأليه له تجتمعان في هالة من البريق المعشِّي للأبصار والبصائر، فكأنَّه لا تأليه ولا صلب … كلُّ ذلك لأنَّه لا ضمير ولا قلب"(1).
يظلُّ الكاتب يحمل الفكرة نفسها، وهي أنَّ اليهود مفتونون بالحياة المادية، ويصرُّ على تعييرهم بها في تخريبهم الجانب الروحي في أنفسهم، وفي كونهم لا يفتؤون يستعبدون الناس بهذه المادة ويدوسون بها المبادئ والقيم. والسخرية من
(1) م. س، ص: 512.