السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٤٤

ذلك تبدو في هذه الجملة التي تحمل آهات حزينة وألماً مبرحاً (آمنَّا الآن – على بداوتنا- بأنَّ العالم المتحضّر قد تهوَّد) " آمنَّا" جملة كثَّف الكاتب فيها أحاسيسه ومشاعره. وجملتا "على بداوتنا، العالم المتحضِّر .. " عرَّض بهما بهؤلاء المتقدِّمين، الذين أرضخَهم اليهود لإرادتهم، فأصبحوا ينفِّذون أوامرهم وخططهم. أمَّا نحن فعلى بساطتنا وتخلُّفنا - في نظركم - فقد عرفنا الآن وفهمنا أن تحضُّركم وتمدُّنكم ليس لهما معنى ولا قيمة عندنا، ما داما لم ينفعاكم في التخلُّص من سيطرة اليهود. ففي العبارتين دلالة نفسية عميقة في الشماتة بهؤلاء الأعداء المتحضِّرين. ويكون تهكمه باليهود شديداً، وتعريضه بهم ماكراً؛ حين يقابل بين إبطال موسى السحر في القديم، وإحيائهم له في الحاضر. هو أبطله بالعصا، وهم أحيوه بإغراء الناس بالمال والذهب. ويكون في اجتماع الضدَّين، الصَّلب لعيسى والتأليه له مجال كبير للسخرية والتهكم. يستغرب الكاتب كيف يمكن أن يجتمع هذان الضدَّان في معتقد واحد، إلاَّ أن تكون الأحكام العقلية كلُّها سفسطة؛ بوصف الإنسان مقياسَ كلِّ شيء كما يقول السُفسُطائيُّون، فيكون كلُّ شيء ممكناً. أو يكون ذلك السلوك هو نتيجة من نتائج بريق الذهب المعشِّي للأبصار والبصائر.

ومع كلِّ ذلك فإنَّ الكاتب يحمِّل المسؤولية - في الدرجة الأولى - المسلمين، الذين أضاعوا فلسطين بتخاذلهم واختلافاتهم، وبخيانتهم أحيانا أخرى، ولهذا فهو يعرِّض بهم وبهزائمهم: "إنَّنا معشر العرب بمواقفنا في قضية فلسطين، وسكوتنا على حكوماتنا المتخاذلة في قضيَّتها وممالأة بعضها لليهود إلى الآن بالتهريب والتجسُّس، بذلك كلِّه أقمنا الدليل، الذي لا يكذَّب على أننا لم نرث من قبيلة امرئ القيس، التي هي إحدى أصولنا إلاَّ الخلق الذي مدح به الشاعر إذ قال:

"وأمثَلُ أَخلاَق امرِئِ القيسِ أَنَّها صِلابٌ علَى عَضِّ الهوَان جُلُودُها"(1)

(1) آثار محمد البشير الإبراهيمي ج4، المؤسَّسة الوطنية للكتاب، الجزائر، سنة 1985م، ص: 197. المقال بعنوان "متى يبلغ البنيان" نشر في مجلَّة " الأخوَّة الإسلامية" (بغداد) س2، ع: 11 (18/ 06/1954م).

١٤٤ / ٤٩٤