السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٥٠أخرى في الفكرة الواحدة؛ فلأنَّ المعارك التي خاضها الأدباء (مصلحون وطرقيُّون) فيما بينهم كانت عنيفة وعديدة، استمرَّت زمناً طويلاً. ومن جهة أخرى فإنَّنا نعدُّ الطرقية المجال الذي أفرز كثيرا من أنواع الانحراف. وقد كانت له صلة وثيقة بكثير من الأطراف التي، أسهمت في هذا الانحراف. وعامل ثالث في هذه الإطالة هو كثرة النصوص التي جمعناها، وتنوُّع الأفكار، وتعدُّد الرؤى والأطروحات في الموضوع. يضاف إلى كلِّ ذلك حرصنا على إطلاع القارئ على هذه الأفكار وهذه الأساليب؛ قصد مساعدته على الاستنتاج وإصدار الأحكام فيما كتب ونشر. مع كلِّ ذلك فقد أسقطنا نصوصاً كثيرة. اعتمدنا على الإحالة في كثير من الأحيان.
تمهيد:
كانت الجزائر قبل قيام الحركة الإصلاحية في جهل مطبق وفوضى عارمة في حياتها، وكانت البدع والخرافات منتشرة انتشاراً لافتاً للنظر "وبات زمام الأمَّة بيد الأولياء وشيوخ الزوايا، يستغلُّون عاطفتها الدينية استغلالاً رهيبًا"(1)، حتى رسخ في الأذهان أنَّ من لا شيخ له فالشيطان شيخه، وقيل عن العامة: أنَّهم "كانوا يعتقدون أنَّه لابدّ لكلّ امرئ من شيخ يتّبعه، وينتسب إليه؛ ليشفع فيه في الآخرة"(2). وقد أنتج هذا مجتمعًا، انتشر فيه الانحراف عن الدين انتشاراً أقلق العلماء، الذين حاولوا التصدِّي له، والوقوف أمام تيَّاره الجارف، وتصحيح العقائد الزائفة … فلم ينجحوا كثيراً لأنَّ عملهم كان يعدُّ مروقاً من الدين في نظر الطرقيين.
وقد كان خصوم العلماء ورجالِ الحركة الإصلاحية من المرابطين ورجال الزوايا أو الطرقيين يقفون ضدَّ محاولات العاملين في حقل الإصلاح، ويعارضون كلَّ ما يقومون به، وقد كانوا أداة طيِّعة في يد المستعمر، يعملون على تنفيذ سياسته في إبقاء الجماهير جامدة خامدة هامدة، يقول الدكتور أبو القاسم سعد الله: " …
(1) المقالة الصحفية الجزائرية … مج1، ص: 107.
(2) محمد علي دبُّوز، أعلام الإصلاح في الجزائر (1340هـ/1921م-1395هـ/1975م) ج1، ط1، مطبعة البعث، قسنطينة (الجزائر) سنة 1394هـ/1974م، ص: 21.