السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٥١

وعندما جاء العلماء يطالبون بالإصلاح واليقظة، ويشيرون إلى أنَّ الدين ليس عبادات خرافية وتوسُّلات للأشياخ والتعايش مع الإدارة الفرنسية، ولكنَّه قبل كلِّ شيءٍ طريق إلى العيش الكريم والحرية العقلية والسياسية، ثارت ثائرة الخصوم"(1).

وقد تركت هذه السياسة آثارها واضحة في نفوس بعض الناس بعامة، والناشئة بخاصة؛ إذكان التدجيل باسم الدين، وكان التضليل باسم الدين، وكان التمويه باسم الدين … فتفاقم الوضع وتأزَّم؛ حتىَّ اقتنع المصلحون "أنَّه لا يتمُّ في الأمَّة الجزائرية إصلاح في أيٍّ فرع من فروع الحياة مع وجود هذه الطرقية المشؤومة"(2). فتحرَّكت الرجال وانبرت الأقلام لاستئصال هذا الداء العضال، وهذا الوباء الفتَّاك؛ فكانت الخطب تدبَّج، ودروس الوعظ والإرشاد تكثَّف، وكانت المقالات تنشر، والقصائد تنظم، والصحف تنتشر، فجاءت صحيفة "المنتقد(3) مثلاً سنة 1925م لتقف سداًّ منيعاً، وحاجزاً واقياًّ أمام تدهور الأوضاع، ولتردَّ على شعار الطرقية المضلِّل "اعتقد ولا تنتقد". ثم تتتابع – بعد ذلك - الصحف التي تقرأ في عناوينها وأسمائها وتتأمل؛ فتكشف ضراوة المعارك التي خاضها أصحابها ضدَّ هذه المناكر والمفاسد. وقد تأسَّست لتفصح عن حقيقة ما يشعر به هؤلاء نحو أولئك الضَّالِّين المضلِّين(4).

وقد كان من بين الأساليب التي استعملها الأدباء في هذا المجال أسلوب السخرية، الذي كشف عن حقيقة الطرقية وتعنُّتهم في باطلهم وتمسُّكهم به؛ رغم تنبيه العلماء لهم، وتحذيرهم من مغبَّة هذا السلوك. وبذلك تكون السخرية تعبيراً

(1) الدكتور أبو القاسم سعد الله، الحركة الوطنية الجزائرية، ج3، ط3، المؤسَّسة الوطنية للكتاب (الجزائر) سنة 1986م، ص: 93.

(2) سجل مؤتمر جمعية العلماء، ص: 62.

(3) المنتقد (1925) جريدة إصلاحية وطنية، أسَّسها في قسنطينة الشيخ عبد الحميد بن باديس، كانت لسان حال الشباب الناهض. اتَّجهت نحو الإصلاح الديني، حاربت الطرقية دون هوادة. وقاومت أفكار الفرنسة والتغريب، كانت تحوُّلاً مهمّا في تاريخ الحركة الفكرية والأدبية، دامت أربعة أشهر، وصدر منها ثمانية عشر عدداً. ينظر الصحف العربية الجزائرية، ص: 52 - 55.

(4) ينظر المقالة الصحفية الجزائرية … مج1، ص: 111.

١٥١ / ٤٩٤