السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٥٣

من ذلك بيان أنَّ ظاهر هؤلاء الطرقيِّين لا ينبئ عن باطنهم، وأنَّ الأسماء التي تسمَّوا بها لا تتطابق مع الواقع. قال الشيخ محمد البشير الإبراهيمي:" … فمال بال أصحابنا (علماء السنَّة) يتسمَّون باسم لا يلتقون مع معناه في طريق، ولا يقوم عليه شاهد من أقوالهم، ولا ينتزع عليه دليل من أفعالهم، لولا أنَّها الشعوذة لبستهم فأنكرناهم فيها، فلبسوها فأنكرناها عليهم، فخرجوا من باب اللباس إلى باب التلبيس، وقالوا نحن قوم أصحاب أسماء، قد أسقطنا الواقع من اعتبارنا، وأسقطنا الأعمال من حسابنا، فلا نرفع بها رأساً ولا رجلاً، وما دمنا بهذه الصفة، وما دامت في الأمَّة بقايا من البله والغفلة و"النية" فلندع أنفسنا بالعلماء، وإن لبسنا من الجهل سرابيل، ولنسمَّ "علماء السنَّة" وإن كنَّا نخوض في البدعة خوضاً، فجاء هذا الاسم كما ترى، وليس في الأسماء أكذب منه، ولا أشدَّ منافرة لمُسمَّاه"(1).

توفَّر النص على جملة من الخصائص اشترطها الدكتور شوقي ضيف في السخرية هي: الذكاء والمكر مع إخفاء ذلك وتركه للكلمات والجمل تبرزه(2)؛ لتنال من المسخور منه نيلاً رقيقاً، لكنَّه يفعل فيه فعل الداء، الذي ينال من الجسم نيلاً بطيئاً، ولا يظهر أثره إلاَّ حين يسري في الجسد، ويعمُّه كلَّه، ويؤثِّر فيه تأثير الرصاصة، التي لا تنفجر إلاَّ حين تتمكَّن في الجسم، فتصيب هدفها من الإيلام ثم الإهلاك.

فالكاتب سخر من الطرقية، حين عرَّض بعقائدهم وخرافاتهم، وخبث مخبرهم وبخداعهم … وتهكَّم بهم، حين مسَّهم مسًّا مؤلماً، ولذعهم وانتزع منهم اعترافات بمخازيهم وسدرهم في غيِّهم، حتى ولو كانت هذه الاعترافات متكلَّفاً فيها. وقد ربطها الكاتب بمبرِّرات خبيثة، هي تعبير عمَّا يحمله من فكرة عن تصرُّفات الطرقيِّين أكثر منها تصريحات بمعتقداتهم صدرت منهم. والأهمُّ من ذلك كلِّه أنَّه لذعهم ووخزهم، ومكر بهم وعبث وشمت بهم شماتة لا يستبينونها إلاَّ بعد حين. وهو يرمي

(1) محمد البشير الإبراهيمي "تعالوا نُسائِلكم"، جريدة "السُنة النبوية"،ع: 7 (22/ 05/1933م). نشر المقال باسم "كاتب نَقَّاد من أعضاء جمعية العلماء". ينظر أيضا آثار الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص: 41.

(2) ينظر الفكاهة في الأدب العربي، ص: 35.

١٥٣ / ٤٩٤