السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٥٤

من كلِّ ذلك إلى إقناع المتلقِّي بالفكرة الرئيسية، التي يدور حولها كلامه، بأنَّ الطرقية هي سبب بلاء المسلمين، وبذلك يرفع الحجب عن حقيقة الطرقية.

يستمرُّ الشيخ البشير الإبراهيمي في التهكم بالطرقيِّين؛ محاولة منه التعريف بهم للعامَّة. وقد عمد في هذا التعريف إلى ذكر بعض الوسائل، وبعض أنواع التخدير، التي يمارسونها للوصول إلى قلوب الغافلين والبسطاء، واستمالتهم إليهم؛ وذلك باللجوء إلى بعض ألوان التدجيل، المتمثِّلة في الرؤى والمنامات والفداء والمكفِّرات … فكتب يسائل الطرقيِّين: "عهدنا أدعياء السنة تجَّاراً حاذقين، لا يخفى عليهم ما يروج وما يكسد، وعرفنا أنَّ رأس مالهم التدجيل، وعرفنا أنَّ بضاعتهم هي هذه الأمَّة المسكينة، التي أحكموا الحيلة في تخديرها بالرؤى والمنامات والمكفِّرات، وزعزعوا عقيدتها في الله؛ بما أثبتوه لأنفسهم من التصرف في الكون أحياء وأمواتاً، ومن مشاركة الخالق فيما تفرَّد به من الخلق والأمر، وأفسدوا فطرتها الدينية بما ابتدعوه لها من عبادات ميكانيكية، هي إمَّا زيادة في الدين أو نقص منه"(1).

حاول الكاتب إلصاق تهمة التجارة بهؤلاء الطرقيين، ووصفهم في الوقت نفسه بأنَّهم لم يحسنوها؛ لأنَّهم لم يعرفوا الوسيلة النَّاجعة للرِّبح، فلم يفرِّقوا بين البضاعة الرائجة والأخرى الكاسدة؛ هكذا تهكماً وسخرية. وقد بدا في النص متذمِّراً مصدوراً؛ بسبب انتهاكات الطرقييِّن حرمات الدين، وتخديرهم العامة. يبدو ذلك من خلال اللغة الموحية التي استعملها: (عهدنا أدعياء السنَّة، عبادات ميكانيكية … ) ومن خلال تكرار عبارة (عرفنا) التي نفث بواسطتها – من أعماق قلبه - ماكان يشعر به من كمد وحسرة.

غير أنَّه يبدو من خلال تقرير إخفاق الطرقيِّين في التجارة بالدين واستمالة العامة إليهم معاكساً لما يحسُّ به في نفسه من نجاح في مسعاهم، ولوكان نسبيًّا، لم يلجئه إلى تقرير ذلك الحكم إلاَّ فكرة نصرة الإصلاح والحرص على هزم الطرقيِّين نفسيًّا، دليل ذلك ما افتتح به مقالته "تعالوا نُسائلكم"، الذي كان فيه متأثِّراً، مهتمًّا

(1) "تعالوا نُسائلكم"، جريدة السنة النبوية، ع:9 (05/ 06/1933م).

١٥٤ / ٤٩٤