السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٥٥

من أعمال الطرقيِّين، وما كانوا يقومون به من مساعٍ لعرقلة نشاط المصلحين. وفي ثنايا ما كتبه في الحلقات الأربع إشارات إلى ذلك.

يدعِّم الشيخ البشير الإبراهيمي رأيه سالف الذكر وحكمه على الطرقية -بأنَّها عنوان على الدجل والخداع والمكر- بما وعاه وفقهه من سيرتهم، وبما سجَّله من معتقدات الناس فيهم، وبما لمسه من احتمائهم بكلمة "صوفي"، التي يلوذ بها كلُّ من أراد ارتكاب الموبقات والمنكرات؛ اتِّقاءً لغضب الناس، مستغلاًّ عاطفة الناس الدينية، حتى غدا الحرام حلالاً والمنكرُ معروفاً؛ لأنَّ كلمة "التصوُّف" أصبحت أمًّا ولوداً تلد البرَّ والفاجر، وتحمي الفاسق والداعر، والماجن والساحر، وتؤوي الأفَّاك والأثيم، واللص والزنديق … وغدت "المعقل الأسمى والملاذ الأحمى لأصحابنا اليوم، فكلّ راقص صوفيّ، وكلّ ضارب بالطبل صوفيّ، وكلّ عابث بأحكام الله صوفيّ، وكلّ ماجن خليع صوفيّ، وكلّ مسلوب العقل صوفيّ، وكلّ آكل للدّنيا بالدين صوفيّ، وهلمّ سحباً … "(1).

الحسرة والمرارة بارزتان في النص، كشف عنهما الكاتب بأسلوب تهكميٍّ ساخر، مصدرهما المفارقات التي لاحظها في هذه الحياة وانقلاب الموازين، التي تجعل من الإنسان المنحرف شخصاً سَوياًّ، ومخلوقاً يتَّصف بصفات المسلم الحقيقي، ومبعثهما هذه السذاجة وهذا التخلُّف وهذا الجهل الذي يردي بالإنسان العاقل إلى أسفل دركة من الانحطاط الفكري؛ فيصدِّق كلَّ شيءٍ، ويتقبَّل كلَّ ما يقدَّم له فيكون عقله – بذلك- عقالاً يعقل فكره من الانطلاق والتدبير والتمييز بين المعقول وغير المعقول من التصرفات، بدل أن يكون حاجزاً يقيه من التردِّي إلى الهاوية.

يرى الكاتب أنَّ سبب استفحال هذا الداء وتمكُّنه من النفوس هو استعارتنا بعض المصطلحات من بعض الأمم التي لا تمتُّ إلينا بصلة في المعتقد والسلوك. هذه الكلمة "التصوُّف" التي يتَّسع معناها لكلِّ خير وشرٍّ، استعرناها من الفرس والروم: " ويميناً لو كان للمسلمين يوم اتَّسعت الفتوحات وتكوَّنت المعامل الفكرية ببغداد

(1) سجل مؤتمر جمعية العلماء المسلمين الجزائريِّين، ص: 38.

١٥٥ / ٤٩٤