السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٥٧الطرقيِّين وبدناءة نفوسهم وضَعَتِهاَ، التي تشتري لهو الحديث لتضلُّ عن سبيل الله، وينعى عليهم دوسهم المبادئ، واستفزازهم مشاعر المسلمين.
مثلما حرصت المقالة الصحفية على إبراز حقيقة الطرقية، فإن الشعر أسهم بدوره في هذا المجال. إذ نجد شاعراً كان أشدَّ الشعراء سخرية بالمتصوِّفة، وأقساهم عليهم وأكثرهم تعرية لعوراتهم، وألحَّهم على ملاحقتهم في حركاتهم وسكناتهم، والتصدّي لهم بالهجو والتعريض. أنَّه الشاعر "محمد السعدي الزَّاهري"(1) قال كاشفاً عن حقيقتهم:
وَزَعانِفٌ زَعَمُوا بأنْـ … نَهُم الضَّراغِمَةُ الأسُود
ظنُّوا السيادَةَ فِي اللِّحي … وبِطُولِهِنَّ وبالجُعُود
أبصرتَهُم يتَفَاخَرُو … نَ على البريَّة بالجدُود(2)
في الوصفة يكشف الشاعر عن جديد في حقيقة الطرقية، وهو ادِّعاء القوَّة والشجاعة والمهابة، واللجوء إلى اللحى لبسط السيادة وفرض الهيبة، ثم الافتخار بالجدود للحصول على الشرف. وفي وصف القوم بالزعانف(3) ما يكشف عن الزيف والنذالة، وعلى دغل في الأصالة، وفي تصوير ما يتفوَّهون به أنَّه زعمٌ لا أساس له من الصحة ما يجعل الناس يتفطَّنون لحقيقة هؤلاء فيتخلَّون عنهم.
محاولة فرض السيادة والهيبة جعلت المتصوِّفة والطرقية تعتقد أن كلَّ من يقف في طريقها، ومن ينكر أعمالها، ومن يتعرَّض لها بسوء يلحقه ضرر ويناله أذى. تهكم الشاعر
(1) محمد السعيد السنوسي الزاهري (1899 - 1956م)، أديب جزائري شاعر وكاتب، مصلح عنيف على الطرقية، حارب الخرافات والبدع. عالج القصَّة والمقال الإصلاحي، نشر في جرائد جزائرية وشرقية خاصَّة الرسالة والمقتطف والفتح. صاحب الجرائد الآتية: الجزائر والبرق والوفاق والمغرب العربي … من آثاره "الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير … "
(2) الشعر الديني الجزائري الحديث، ص: 598.
(3) الزعانف: من معانيها كلُّ جماعة ليس أصلهم واحداً. ينظر القاموس المحيط، ج3، ص: 148.