السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٥٨

"حسن بولحبال"(1) بهذا المعتقد؛ لأنَّه هو نفسه تعرَّض لما جعله محلَّ تشفِّي الطرقية، إذ كسرت رجله في حادثة، فقيل له: إنَّ هذا جزاء من يسبُّ المتصوِّفة، فردَّ عليهم:

قالوا: كُسِرتَ، فقلتُ: ربِّي جابرٌ … أو تجرؤُونَ على الفتى معْ ربِّهِ

فتدلَّلُوا بمُرُوقِكُم من دينه … وتقرَّبُوا ببعادِكُم عن قُربِه

قالوا: سببتَ تَصَوُّفاً، عجباً لهم … قَد دنَّسُوه، وأشفقُوا من سبِّهِ(2)

كثر ما أحدثه الطرقيُّون في الدين من بدع، وما أقاموه من وسائط، يزعمون أنَّها تقرِّبهم من الله زلفى، وقد جعلوا منها آلهة أو مصدراً للنفع والضر. وهو ما عقلوا به إرادتهم، وعطَّلوا به عقولهم؛ حتىَّ ضاقت هذه الأشياء الجامدة والتافهة ذرعاً بهذه التصرُّفات. حاول الشعراء تسجيل هذه الفكرة بأسلوب فكاهيٍّ طريف، وقرَّروا هذه الحقيقة على لسان هذه الأشياء، ليثبتوا ضلال هؤلاء المبتدعة، ويسجِّلوا ضحالة تفكيرهم. من هؤلاء "قدور الحلوي"(3) الذي كتب قصيدة على لسان "الشمعة"، التي كان الناس يتبرَّكون بها وهي جماد. منها هذه الأبيات:

أشرِكُوني بالله، لله أشكُو … مِن صنيع الزَّعانف الجُهَّال

زعَمُوا أنَّني أريدُ وأقضِي … نسبُوا ليَ التأثير في كلِّ حال

وتنَادَوْا من رامَ حفظَ كتاب … فليغالب في سومها ولْيُغال(4)

هذه الشكوى تكشف عن جانب من حقيقة الطرقية، وتبرز ما كان يحسُّ به رجال الحركة الإصلاحية من ضجرٍ وقلقٍ من أولئك المبتدعين. وما الأفكار التي نطقت بها الشمعة سوى معانٍ استخلصها المصلحون من تصرُّفات الطرقيِّين وعلاقتهم بالله، وتعاملهم مع الدين، وقد اختفى الشاعر المصلح وراء الشمعة

(1) حسن بولحبال من مواليد 1897. شاعر أديب من شعراء الحركة الإصلاحية الجزائرية، أسلوبه يتميَّز بالسخرية والفكاهة، اشتغل بالتدريس مدة طويلة، له ديوان شعر مخطوط.

(2) الشعر الديني الجزائري الحديث، ص: 594. نشرت القصيدة في جريدة الإصلاح، ع: (24/ 10/1929م).

(3) شاعر ينتمي إلى الحركة الإصلاحية.

(4) الشعر الديني الجزائري الحديث، ص: 590. نشرت القصيدة في جريدة "المرصاد"،ع: (25/ 03/1932م).

١٥٨ / ٤٩٤