السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٥٩

وتستَّر؛ ليتمكَّن من لفت أنظار الناس إلى المبتدعة، بطريقة ذكية ساخرة ولاذعة، لتكشف حال الطرقية، ويُعرَف ضلالهم؛ ومن ثمَّ ينفضُّ الناس من حولهم، وينصرف عنهم الذين وقعوا في أشراكهم ومصائدهم.

وفي عبارة "تنادَوْا" تهكُّم وسخرية من صنيع هؤلاء القوم الذين ضلُّوا الطريق وأخطؤوا الوسيلة. هذه العبارة تذكِّرنا بقصَّة أهل الجنَّة، الذين أقسموا ليصرمنَّها مصبحين ويحرموا منها المساكين، الذين يملكون حظًّا في هذه الجنَّة؛ فبيَّتوا النية والشر من الليل ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ أَنُ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمُ إِنْ كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾(1) مثلما سخر الله من هؤلاء القوم بهذا الوصف، بعد أن حرمهم ممَّا بيَّتوا عليه(2)، سخر الشاعر من الطرقيين بهذا الوصف المبنيِّ على الزَّعم والوهم والادِّعاء، الذي تكون عاقبته الخسران المبين(3).

والوصف بالزَّعم هو ما نعت به الله المشركين مع شركائهم، وهم دائماً يبوؤون بالخسران المبين، وقد تردَّدت كثيراً في القرآن مقرونة ببيان صنيع المشركين والمبتدعين (أي أصحاب الضَّلال والزيغ) وهي المعاني التي ضمَّنها الشاعر "قدُّور الحلوي" أبياته سابقة الذكر، وهو ما يقدح في أولئك القوم، ويبعث على السخرية منهم. قال تعالى: ﴿ … وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمُ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ، لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾(4).

يستَفحِلُ الانحراف الديني الذي يبديه هؤلاء المضلُّون والمبطلون الطرقيُّون، فلا يطيق الشعراء سكوتا عنه؛ وبخاصة حين استوى عند أولئك الحلال والحرام،

(1) سورة القلم، الآيتان: 21، 22.

(2) ينظر السورة نفسها، الآيتان: 19، 20.

(3) ينظر تفصيل القول في القصَّة، وتفسير الآيات الواردة في الموضوع، في ظلال القرآن، مج6،ج29، ص: 3664 وما بعدها.

(4) سورة الأنعام، الآية: 94. ينظر السورة نفسها الآيات: 22، 136، 138.وقد ارتبط فيها الزعم بالشرك. ثم محمد إسماعيل إبراهيم، معجم الألفاظ والأعلام القرآنية، ج1، ط 2، دار الفكر العربي، سنة 1969، ص: 241.

١٥٩ / ٤٩٤