السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٦٠واختلطت العربدة بالتسبيح والتهليل والذكر، وحين استمرأ هؤلاء المنحرفون الفاحشة، وادَّعوا العلم – مع قصورهم في ذلك قصوراً فظيعاً- وتطاولوا على الغيب، وادَّعوا معرفة أسراره، وتجرَّؤوا على مقام ذي الجلال كالقدرة على المنح والمنع، إلى غير ذلك من التصرُّفات، التي لا تناسب المقام الذي يمثِّلونه، مقام الشيخ الورع والعالم الوقور …
وما أقلق هؤلاء الشعراء وأقضَّ مضاجعهم، وأثار نخوتهم الدينية، هو تقبُّل العامة لهذا السلوك، وتشجيعهم له؛ إمَّا تملُّقاً أو جهلاً، أو اتِّقاء لغضب الشيوخ المضلِّين، وكذا تغلغل هذه الأفكار في المجتمع، وترسُّخها في الأذهان. فكانت هذه الأبيات المعبِّرة عن هذا الشعور بالسخط والتذمر، اللذين ترجمت عنهما السخرية الحزينة والتهكم اللاَّذع. يقول محمد السعيد الزَّاهري:
كانوا طوائفَ شَتَّى، كلُّ طائفة … تُطيعُ شيخاً لها في كلِّ ما زعماَ
إن قال إنِّي (وليٌّ) صدَّقوهُ، وإن … هو ادَّعى الغَيبَ قالوا أحكمُ الحُكماَ
وإن تعلَّم بعض الشيء تهجيةً … قليلة، هَتفوا يا أعلم العُلَماَ
وإن هو ارتكبَ الفحشاء فاضحةً … فلا محالة معذورٌ، وقد أثِمَا
أو احتسى الخمرَ، قالوا إنَّها عسلٌ … ولا غرابةَ في هذا، ولا جُرُمَا
أو ادَّعى أنَّ خير الخلقِ يخدِمُه … فما اعتدى عندهُم فيها ولا ظَلَمَا
أو لم يصلِّ، رأوه حسبما زعموا … يُقيمُها، إذ يزورُ البيتَ والحرَمَا
إذا بكى، حسبوا الأيَّام باكيةً … ويَضحَكُ الدينُ والدُّنيَا إذا ابتَسَمَا
في كفَّة المنع والإعطاء عندهمُ … والدينُّ والخيرُ فيما شادَ أو هَدَمَا(1)
السخرية تبدو في تصوير سذاجة عقول هؤلاء الأتباع المغرورين، وتصديقهم لكلِّ ما يدَّعيه الشيوخ المضلُّون، حتى ولو كان العقل لا يمكنه تقبُّل هذه الترَّهات. والتهكم يظهر أيضا في تصوير تسليم أولئك المخدوعين بكلِّ ما يصدر من الطرقيِّين، حتى ولو كان غير مقبولٍ شرعاً، ولا يستقيم طبعاً، وتتجسَّد السخرية في
(1) د. صالح الخرفي، الشعر الجزائري، ص:27،28. نشرت القصيدة في مجلة "الشهاب" ج9، مج10، 1934م.