السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٦١إبراز محاولة تبرير تصرُّفات أسيادهم؛ ممَّا يكشف عن تأثير كبير، وتخدير فظيع لعقولهم. وقد أضفى الحوار الذي اكتفى فيه الشاعر بذكر الإجابات فقط، إذ تصوَّر أنَّ هناك ناساً يسألونه عن تصرُّفات القوم فيجيبهم على المقطوعة جواًّ من الحيوية والطرافة والظرف. وقد صوَّر به الشاعر بعض الحركات التي يقوم بها هؤلاء الأتباع، وهم يهتفون ويصفِّقون، ويقدِّمون علامات الولاء والرضى لأسيادهم، وكأنهم في مهرجانات التهريج، فيها الهتاف والتصفيق، وترديد الشعارات المزيَّفة … تعرض فيها مظاهر النِّفاق والمهانة والذل والاستكانة والخنوع والخضوع …
بهذه الصورة تصل السخرية إلى مدى، تأتي بثمارها ونتائجها في التشنيع والتعرية، وتقديم حقيقة أولئك الدجالين، الذين يستغلُّون جهل العامة، فيبتزُّون منهم أموالهم ومروءتهم، ويسخِّرونها في قضاء مآربهم ويتخذونهم عبيداً وخدماً(1) وبذلك" اتَّجهت العامة الجاهلة إلى مشايخ الطرق، تراهم زعماءها وقادتها وملاذها، لا تخالف لهم رأيًا، تعتقد فيهم العصمة وترى فيهم القدسية، فهم يعرفون الغيب ويعلمون ما في السرائر"(2).
2 - فضح مخازي الطرقية:
تبقى صفة المتاجرة والاستغلال البشع للناس باسم الدين؛ لابتزاز أموالهم، تهمة يحاول المصلحون – كثيرا – إلصاقها بالطرقية؛ إمعاناً في التشنيع بهم. وهي تعدُّ إحدى المخازي التي عُنِي الأدباء بالكشف عنها. يؤكِّد محمد السعيد الزاهري على ذلك في "قوارصه"(3) ويفضح الدجل، الذي يبديه هؤلاء الانتهازيُّون ويقرِّر هذه الترهة، وهي ادِّعاء الشيخ – ببركته – القدرة على تحويل الناس من جهلة إلى علماء فطاحل. فحاول بطريقة ساخرة ماكرة انتزاع اعتراف من طرقيٍّ مرَّ بهذه التجربة،
(1) ينظر أعلام الإصلاح في الجزائر، ج1، ص: 23.
(2) م. س، ص: 24.
(3) هو ركن خاصٌّ له في جريدته "البرق" التي أنشأها سنة 1927م، خصَّصهُ لملاحقة الطرقية، يقرصها فيه بسلاح الكلمة.