السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٦٢ثم أضفى من روحه وشخصيته وإبداعه ما أعان على الكشف عن جانب من أباطيل أولئك الدجَّالين، وعن الحيل التي يصطادون بها الغفَّل من الناس. حتى وإن بدت على الحكاية مسحة من الوضع والتخيُّل، فإنها تفصح عمَّا عرف عن القوم من الدجل والتمويه والمخادعة.
قال وهو يخاطب من سمَّاها في المقال "لالة فلانة" التي كان جدُّها فيما يبدو شيخا طرقيًّا، يمارس شيئا من الشعوذة، كان قد توفِّي. قال لها الكاتب: إذا ضقت ذرعا بهذه الدنيا، وبهذه المصائب، فما عليك إلاَّ أن تستنجدي بجدِّك، فأنَّه ينجدك في الحال من كلِّ سوء: " … وكرامات الشيخ جدِّك لا تحصى ولا تعدُّ، فأنَّه حضر لي أنا مرارا، لمَّا استعنت به. سافرت إلى مصر في طلب العلم، فلم أجد ما آكل، ولا ما أشرب، فأعرضت عن القراءة بحكم الضرورة، وعدت أبيع الفول لأنيِّ لم أستطع خدمة غير ذلك، فلمَّا طال عليَّ الأمد وأردت الرجوع إلى بلدي، استحييت أن أرجع بلا علم، وبدون المطلوب، الذي جئت من أجله، واهتممت بذلك كثيرا؛ حتىَّ صرتُ لا يُغمض لي جفن ولا يهدأ لي بال من كثرة الوساوس، وشدَّة التخمين. ففي ليلة من الليالي أخذتني سنة وقد كنت استعنت بجدِّك يا شريفة، فرأيت في نومي إنسانا أبيض اللحية … " ثم وصف لها هيئته وصفا جميلا هادفا، وكيف أقبل عليه وسلَّم عليه، ثم قال له لا تخف: "إنِّي حاضر لك أقضي جميع حوائجك، ثم قال لي افتح فاك، ففتحت، فبصق فيه بصقة كبيرة … وقال لي أسرط(1) فإنَّك أخذت العلم! فلمَّا استيقظت وجدت طعمها ما زال في فمي أحلى من العسل، ووجدت نفسي عالما أزهرياًّ، بل علاَّمة وفهَّامة ودرَّاكة وتكلامة، فرجعت إلى هنا، وها أنا ذا اليوم أحارب شرذمة الضلال، الذين لا يؤمنون بالمشايخ، ويكفرون بجدِّك يا "لالة" الشريفة. تلك الشرذمة التي لا تؤمن إلاَّ بالله وحده، ولا تشرك به شيخا من الأشياخ، ولو كان جدُّك أنت يا "مولاتي"، وسأنتصر عليهم بجاه جدِّك … "(2).