السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٦٥

بالألوف، وهذا أمر غير معروف. ببركتك أيُّها الشيخ رجع التصوُّف إلى صباه والعاقبة لك(1)، وصارت الأمَّة الجزائرية آمنة مطمئنَّة لا تخشى طوارق الإصلاح … "(2).

في النص سخرية لاذعة مبنية على التعريض والتبكيت والتندُّر والاحتقار والشماتة، فممَّا يلحظ فيه تكرير جملة "ببركتك أيُّها الشيخ" في كلِّ مقطع؛ للتأكيد على هذا الولاء الزائف للشيخ، وللإفصاح عن هذا التأثير الكبير في الأتباع، وللكشف عن النفاق والرياء اللذين يتَّصف بهما هؤلاء الإمَّعِيُّون، ولإبراز طبيعة حياتهم المبنية على الادِّعاء والغرور، إلى غير ذلك من المعاني السخيفة …

نلحظ في نصِّ سمهري ومحمد السعيد الزاهري اتِّفاقاً في بعض النقط، منها كون الطرقيِّين يدَّعون العلم، ويزعمون أنَّهم يتمكَّنون من تكوين أتباعهم بسرعة، وكذا تسخير كلِّ وسائلهم لمحاربة الإصلاح، وأنَّهم لا يتعلَّمون ما يتعلَّمونه في الزاوية إلاَّ ليقوموا بهذا الدور؛ فيكون في طريقة تعلُّمهم الظفر بالجهل الذي هو سلاح الطرقيِّين.

هكذا يصبغ "سمهري" صوره الساخرة تلك بصبغة فنية، تتمثَّل في إضافة روحه، وإعمال خياله فيها؛ حتى تستجيب لما يحمله من فكرة التخطئة لهؤلاء الناس في سيرتهم، ومن ثمَّ تبلِّغ عنه آراءه، وحقيقة ما يجب سلوكه واعتناقه في هذه الحياة، وهو الإصلاح وما يساير هذا الاتِّجاه.

أمَّا من سمَّى نفسه "بوسعادي" فكتب مقالة، يفضح فيها الطرقيِّين، وما يأتونه من مخازٍ، وهم يتظاهرون بمظاهر الورع والسخاء؛ إذ أنَّهم يرصدون المارَّة في الطرق، ويعدُّون كلَّ وسائل التغرير بهم، كأن يهيِّئوا لهم أدوات الطبخ وأنواع الطعام، وكلَّ ما يشعر المارَّ بأنَّهم كرماء أسخياء، ثمَّ يقومون ببعض الحركات، ويلبسون الألبسة، التي تدلُّ على ورعهم؛ حتى إذا ارتاحت نفس المسكين إلى هذه الفئة، وانشرح قلبه لما يشاهد أمامه، وألقى عصا الترحال، وانضمَّ إلى مجلسهم، تحوَّل الورع والنسك إلى وحشية وشراسة وافتراس، وانقلبت تلك الأنوار والبركات إلى أسلحة فتَّاكة، وذلك

(1) يتأمَّل هذا التعبير وهذا التعريض، إنَّه على شاكلة رجوع الشيخ إلى صباه …

(2) سمهري (وهو الأمين العمودي) " الفرطاس في الخلوة "جريدة المرصاد، ع: 36 (09/ 12/1932)

١٦٥ / ٤٩٤