السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٦٦

الطعام إلى طعم في سنَّارة الصيَّاد، فيصطاد القومُ المسكين، ويفتكون به. يصوِّر الكاتب كلَّ ذلك بشيء من التهكم والسخرية.

ننقل من المقال هذه الفقرات: " … فإذا هم رأوا من بعيد شخصًا منفرداً تباشروا وأخبروا رئيسهم، فيسجد سجدة طويلة، يقول فيها: اللَّهم رازق الذئاب الجائعة في أغوارها، والثعابين القابعة في أحجارها. اللَّهم إنَّك تعلم أنَّنا لا حرفة لنا إلاَّ سلب الغافلين، والغافلون قليل، وقد طفنا المشرقين والمغربين نبحث عنهم فلم نجدهم، ووجدنا الناس كلَّهم قد أفاقوا من غفلتهم، واستيقظوا من رقدتهم، وليست لنا صناعة سواها، فاجعل اللَّهم زائرنا هذا - وكلَّ زائر لنا - غبيًّا غافلاً وبليداً جاهلاً، ذا لحم وثير وشحم كثير، فإنَّك بجوعنا وإفلاسنا خبير بصير، ثم يخرجون من مخابئهم … "(1) ثم يَغدِرونَ بالرجل ويفتكون به.

بهذا الوصف يذكر الكاتب ويسجِّل إحدى مخازي الطرقية المنحرفة. وقد تجلَّت سخريته هنا فيما يأتي:

1) انتزاع اعتراف منهم بمخازيهم في خداع الناس، والفتك بهم، والاستعانة بالدعاء ومناجاة الله في أن يعينهم على الغيِّ والضلال والفساد. إنَّ ذلك في حدِّ ذاته تهكُّم؛ إذ كيف يُدْعى الله، ويطلب الإعانةَ على الفساد، باستغلال الدين في ذلك. ولهذا فإنَّ هذه الأفكار التي حملها هذا الاعتراف هي إسقاطات نفسية، وملامح شعورية تخصُّ الكاتب، وتترجم عماَّ يحسُّ به نحو هؤلاء المنحرفين؛ ولذا قصد إلى التعريض بهم وبسلوكهم، فتخيَّل أنَّهم يعترفون بخطئهم، ويقرُّون به، لتتَّضح حقيقتهم أمام الناس.

2) الاعتماد على الوصف الساخر الماكر، الذي يعين على اكتشاف طبيعة هؤلاء الناس، التي يقف عليها المتلقِّي؛ حين يربط بينها وبين ما استعاره لوصف هؤلاء المستغلِّين وبين ما تتركه هذه الأوصاف من آثار في نفسه؛ ومن ثمَّ تتكوَّن له صورة عن هؤلاء المسخور منهم (اللَّهم رازق الذئاب الجائعة في أغوارها، والثعابين

(1) "بوسعادي" حذار من الورع والسخاء الماكر"، جريدة البصائر، ع: 174 (14/ 07/1939م).

١٦٦ / ٤٩٤