السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٦٨من الصلاة؛ كما هو منصوص في كتب التيجاني وكتب أصحابه"(1) ثمَّ يرسلها زفرة حارَّة متحسِّراً على نقض أحكام الله، وتعطيل القرآن …
حاول النص تبيان أنَّ أمثال هؤلاء الدجالين يسعون إلى استغلال ميل الناس إلى اليسر والسهولة، ونفورهم من الشدَّة والمشقَّة، فيقنعونهم بأنَّ ما أتى به "التيجاني" هو أفضل ممَّا جاء من عند الله، بدليل إشارة النص وتركيزه على الجهاد والحجِّ، وهما عملان شاقَّان متعبان مرهقان. وحرص النص على الكشف أنَّ الدجال يعمل على صدِّ الناس عن الواجبات الدينية بتيسير منه؛ مستغلاًّ ضعف الإنسان وجهله، ناسيًا أنَّ الجنَّة حُفَّت بالمكاره، والفوز في الآخرة لا يأتي إلاَّ بعد بذل الجهد وركوب المصاعب. كما يستغلُّ خاصية من خصائص الإسلام وإحدى منن الله على عباده، وهي مضاعفة الأجر والسخاء في ذلك، فيبيِّن للأتباع أنَّ أيسر عمل يقومون به ممَّا يأمرهم به – ومرَّة واحدة- يعدل آلاف المرَّات ما أمر الله به عباده.
ويكون تعريض الكاتب بهؤلاء الدجالين بارزاً حين يسمِّي تُرَّهات التيجاني إنجيلاً؛ لأنَّ الإنجيلَ كان مِمَّا يصدُّ به بعض أعداء الإسلام الناس عن القرآن. كما وسم الكاتب عمل التيجاني، ومن يسير في ركابه ونهجه بعمل المرتدِّين، كالمتنبِّئين الذين يصدُّون الناس عن ذكر الله؛ بالإتيان بما يشبه القرآن للتَّغرير بهم، مستغلِّين في ذلك عاطفتهم الدينية. كما يكون التهكم سافراً ولاذعاً حين يقول الكاتب إنَّ تلاوة هذا الإنجيل مرَّة واحدة تعدل آلاف الغزوات (وهي لا تقوم إلاَّ على حركة اللسان من غير اقتحام للميدان، ولا تعرُّضٍ للرُّمح والسِّنان).
يمكن لنا أن نتصوَّر ما يكنُّه الكاتب من آيات احتقار هؤلاء الناس، بقدر ما ندرك من حقيقة الجهاد، وما يتطلَّبه من التضحية والتعرض للمصاعب والمتاعب في سبيل حياة سعيدة من جهة، وما يجنيه الإنسان القاعد والمتخلِّف عن الجهاد من جهة ثانية، وما يتحصَّل عليه من يكون بعيداً عن الأسنَّة والقنا. ثمَّ إنَّ في هذا التوظيف وفي هذه الإشارات دلالات نفسيَّة؛ إذ تنال من شخصية المتحدَّث عنه، وتجعله محلَّ سخرية واحتقار؛ بسبب سوء عمله.
(1) آثار الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص: 103.