السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٦٩هنا ينجح الكاتب في تقديم صورة عن حقيقة هؤلاء الناس. حتى ولو كان الكاتب مبالغاً في تصويره هذا النموذج من البشر؛ إذ قدَّمه بصورة شاعرية: فيها المبالغة وفيها التهويل، إلاَّ أنَّه لم يعدُ الحقيقة؛ حين أشار إلى تصرُّفات هؤلاء الطرقيِّين بأسلوب ساخر معرِّض. وقد انطلق من الواقع المعيش، ومن تجاربه الخاصة مع هؤلاء، وممَّا عرفه من سيرة القوم، ومن دقَّة ملاحظاته لما يكتنف سلوكهم من انحراف.
والمبالغة في تهويل مواقف أولئك الناس تكون مقبولة؛ لتحذير الناس من مغبَّة أعمالهم، ومن هذه النتائج تقديس الأشياخ المضلِّين، يقدَّسُون في حياتهم وبعد مماتهم، فيصبحون فتنة، وكلُّ ما يتَّصل بهم من أسماء وأولاد وأملاك … يكون فتنة. يذكر الكاتب نفسه جانباً من هذه الفتن التي انتشرت، وكان محرِّكوها شياطين الإنس الذين، تكون فيهم القابلية للشرِّ والفساد والعكوف على الضلال وسرعة الاستجابة للهوى ومحادَّة الله في أوامره ونواهيه. يذكر ويصف – في أسلوب تهكُّمي- ناحية من نواحي الجزائر، وهي العمالة الوهرانية، التي عشَّش فيها الشيطان، وقد اختارها لإقامة أعراسه، التي تقوم على الزردات والبدع وتقديس الأولياء …
سخر الكاتب من الشيطان الذي حاول اللعب بعقول الناس وهزَّ نفوسهم وأزَّهم أزاًّ، والرميَ بهم في الهاوية. وقد عدَّه فاشلاً في عمله؛ لأنَّه لم يكن حاذقاً ولا متقناً عمله: "ولكن يبدو أنَّ الشيطان المكلَّف بالعمالة الوهرانية بليد القريحة، جامد الفكر، خامد الذوق، جافي الطبع، كثيف الحسِّ، خشن المسِّ، بدويُّ النزعة، وحشيُّ الغريزة، فكلُّ ما يأمرُ به أولياءه وأتباعه، فهو من جنس طبعه، سمج غثٌّ، خالٍ من الجمال والفن والذوق، وقد عهدنا الشيطان "المتمدِّن" لطيف الإحساس، فنِّي الذوق، وعهدنا أعماله فنية الأسلوب، فاتنة المظهر، والفتنة هي سلاح الشيطان الأحدِّ، يكسو بها أعماله، فيصبي الحلماء، ويستنزل النسَّاك إلى مواطن الفتاك، وأمَّا هذه الأعمال التي نشاهدها من أولياء الشيطان في عمالة وهران، فهي سخيفة باردة حيوانية وحشية"(1).
(1) عيون البصائر، ص:347. المقال بعنوان "أعراس الشيطان". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 95 (14/ 11/1949م).