السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٧٠

هذه الجمل المتتابعة، وهذه الأوصاف المتتالية، وهذا الأسلوب في التناول، الذي فيه السجع والجناس، وتكرير الكلمات، والتركيز على معاني الذوق والجمال والفنية. مجموع كلِّ ذلك يدلُّ على حالة نفسية متأزِّمة، وعلى ضجر الكاتب من تصرُّفات الطرقيِّين المتكرِّرة المضرَّة والمحيِّرة، كما يشير إلى أنَّ الكاتب لم يتمكَّن من إخراج ما في قلبه من كمد وحسرة، ولم يعثر على العبارة أو الجملة المناسبة للإفصاح عن حقيقة مشاعره. فلجأ إلى التهكم والسخرية. إلاَّ أنَّه يبدو غير موفَّق في تعبيره؛ إذ جاء الكلام غير سويٍّ، كثر فيه التكرار والإرداف، وبرز فيه التأثُّر الذي أبان عن الحقد والضجر من هؤلاء، دون التمكُّن من الوقوف أمام أعمالهم. وهنا يظهر الانهزام النفسي.

كما برز في النص تناقض الكاتب مع نفسه، فبعد أن راعى طبيعة الشيطان - في أوَّل مقاله - الذي لا يعترف بالجمال والذوق، وما ينعش النفس " فالشيطان في غنى عن هذا كلِّه " جاء بعد ذلك - وبتأثير الحالة النفسية من الانهزام، أو من عدم التمكُّن من الحدِّ من انتشار أعراس الشيطان هذه - لينقض هذه الفكرة، فيعدُّ الشيطان المكلَّف بالعمالة الوهرانية بدويًّا، خشن الطبع، جامد الفكر، إلى غير ذلك من الأوصاف التي لا تتناسب مع الفتنة التي "هي سلاح الشيطان الأحدّ" مع أنَّ الشيطان قد حقَّق مراده، وصرف الناس عن الله إلى أوليائه هو، ونسب إلى هؤلاء ما هو في الحقيقة لله من النَّفع والضرِّ، والمنح والمنع، ونجح في ترسيخ عادة الزردة والوعدة: "جل ما شئت في عمالة وهران في النصف الأخير من الربيع، والنصف الأوَّل من الخريف، فإنَّك تسمع في كلِّ سوق أذانا بزردة، وترى في كلِّ طريق حركة إلى زردة، وركابا تشدُّ إلى وعده"(1). ثم يعيد المعنى مرَّة ثانية " … ودعا داعي الشيطان إليها فأَسمَعَ، وكأنَّما أذَّن في القانتين بصلاة، أو ثوَّب في المستطيعين بحجٍّ، فإذا هم في اليوم الموعود مهطعين إلى الداعي: رجالاً ونساء وأطفالاً، يُزجون الرواحل، ويسوقون القرابين، ويحملون الأدوات، تراهم فتقول إنَّ القوم صبَّحوا

(1) م. س، ص: 348.

١٧٠ / ٤٩٤