السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٧١

بغارة، تسيل بهم الطرق، وتغصُّ بهم الفجاج، حتى إذا وصلوا إلى الوثن نُصبت الخيام، وسالت الأباطح بالمنكرات والآثام"(1).

فالكاتب يقرُّ بنجاح الشيطان في الإغواء - رغم ما وصفه به من أوصاف تنقص من معنويَّاته - وبفوزه في حمل القوم على إقامة أعراس على طريقته، وبالكيفية التي يريدها. يعترف الكاتب بذلك في أسلوب تهكميٌّ حزين. يبدو ذلك في استعارته بعض المعاني التي تستعمل في مواطن تخالف ما يقوم به الشيطان كالقيام للصلاة المشروعة في قنوت، وفي استجابة فورية. وتلبية نداء الحجِّ المشروع، غير أنَّ الاستجابة التلقائية كانت لغير هذين، إنَّما كانت لوسوسة الشيطان وفتنته. حتى إنَّ القوم هرعوا مهطعين إلى الداعي، الذي دعاهم إلى هذه الأعراس وهرولوا دون وعي كما يهطع الناس يوم البعث من شدَّة الفزع لما يرون أمامهم من أهوال(2).

وقد كانت استجابتهم لنداء الزردة والوعدة بسرعة، وبشيء من الحماسة غير الواعية، وكأنَّ القوم فوجئوا بغارة ففرُّوا بسببها إلى أماكن آمنة، وهي أماكن تقام فيها هذه الطقوس. فالسير بهذا الجمع الغفير، الذي "تسير بهم الطرق، وتغصُّ بهم الفجاج "إلى هذه المواطن، التي يرجو فيها القوم قضاء مآربهم، وتحقيق لذَّاتهم، وهم يحملون هذه القرابين والأدوات، ممنِّين أنفسهم بإقامة الأفراح، تتحوَّل عند الكاتب - بطريقة تهكمية وبتأثير نفسي- إلى الهروب من غارة، تجنُّبا للهلاك. هكذا تكون السخرية فاترة، والتهكم بارداً لا يؤثِّران في النفس، بسبب التكلُّف ومحاولة نكران الواقع.

لعلَّ هذه الطريقة في تناول موضوع الطرقية هي التي جعلت الأستاذ "محمد العيد تاورتة" يقرِّر أنَّ كثيرًا من النصوص التي حاور فيها الشيخ محمد البشير الإبراهيمي الطرقية ورجال الدين الرسميِّين "هي أقرب إلى الاستهزاء والتحقير منها إلى التهكم والتعريض، إنَّها مهاجمات عنيفة موجَّهة لهم، مليئة بالتحقير والسخرية

(1) م. س، ص:349.

(2) قال تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ سورة القمر، الآية: 8.

١٧١ / ٤٩٤