السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٧٣نتأمَّل في هذا الوصف التهكمي لهذا الزوج، وفي هذه الحالة المزرية التي آل إليها، وفي هذا الإهمال لنفسه؛ رغم أنَّ الرجل كان وسيما حسب ما نلمح من وصف الكاتب. وربَّما تكون هذه حالة، يريد الكاتب أن يلصقها بكلِّ طرقيٍّ تابع لأسياده، وبذلك تنطبع في الأذهان صورة مزرية عن كلِّ من يسير في هذا الطريق.
بعد هذه التوطئة النفسية، التي تهيِّئ النفوس لتقبُّل الفكرة التي يريد الكاتب تبليغها إلى المتلقِّي، وهي الاقتناع بحقارة هذا السلوك. يصوِّر لنا الكاتب وبطريقة ساخرة تصرُّفات هذا التابع وبعض معتقداته الضالة: "فاستنطقه القاضي فقال بصوت عالٍ: الله! الله! كيف اشتغل بها، وكيف لا أجفوها، وقد شغلت بالخلوة، وما أدراك ما الخلوة! فيها ترى الله، وفيها ترى الجنَّة، وترى النَّار، وفيها وفيها … لقد شغلت في الخلوة حتىَّ عن نفسي، فطلَّقها أيُّها القاضي إن شئت، فأنَّه لم تَبقَ لي بها حاجة، فقضى القاضي بطلاق الفتاة … "(1).
أيُّ تهكم أو سخرية أكثر من هذا؟ تهكم بمن يعتقد أن الله يرى في الخلوة(2) وأنَّ عالم الغيب موجود فيها؛ إذ يرى فيها ما خفي خارجها. ولكي يهوِّل الكاتب الأمر استعمل أسلوب التعظيم؛ ليثبت أنَّ هذا التابع قد هام في الخلوة، وذاب في هذه المعتقدات إلى درجة أنَّه لم يعد يهتمُّ بنفسه. هذا هو المبرِّر والمفسِّر لهذا الوصف الذي قدَّمه عن هذا التابع في بداية المقال. لم يكتف الكاتب بهذه الأوصاف، وهذه الجمل، بل أردف قائلاً بعد إعلان القاضي حكم الطلاق "وهنا اغرورقت عيناه بالدموع شوقاً إلى الخلوة، وغرق … "(3).
(1) م. ن.
(2) يقول الشيخ مبارك الميلي: " … مرسوم بهذا البيت أمام المُريد كلمة "الله"، ينظر إليها أيام إقامته بالخلوة، التي يفقد فيها الأكل، ولا يخرج منها حتى يشاهد الله جهرة، أو يرى أبويه الهالكين أو شيئا آخر … " المقالة الصحفية الجزائرية … مج1، ص: 116. وبيضاوي "ابن ملجم القرن العشرين" الشهاب، ع: 178 (06/ 01/1927م).
(3) البرق، ع: 19.