السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٧٤

يمعن الكتَّاب في السخرية من أتباع الطرقية، ومن عقولهم الضعيفة وتصرّفاتهم الشاذَّة، وتفكيرهم السقيم، فهم لا يفقهون شيئا فيما هم مقدمون عليه، ومقلِّدوه ومتَّبعوه؛ لأنَّهم ليسوا في مستوى الرسالة التي تطاولوا عليها، ولم يكونوا في مستوى الاسم أو العنوان الذي أعطوه لمؤسَّستهم "علماء السنَّة" التي تكوَّنت –كما يشير البشير الإبراهيمي- من علماء مأجورين، وطلبة مدحورين. هؤلاء الذين امتنَّت عليهم الزوايا بالخبز، وتفضَّلت عليهم بتعليم أشل، فتركتهم عبيداً يرجون عطاء أسيادهم ونوال رؤسائهم. هؤلاء "اجتمعوا كلُّهم على النداء من كل صوب كضوال الإبل، وحشروا في غمرة من الذهول، أوهمتهم أنَّهم سيصبحون بفضل سادتهم مشايخ الطرق، وبجاه موالاتهم للحكومة موظَّفين (مُنَيْشَنِين) "(1).

هل هناك هجاء وتهكم أكثر من هذا؛ حين يوصف شخص بأنَّه يعيش على الأوهام، ويحيا على المزاعم، ويبني مستقبله على الأحلام. فيتخيَّل العظمة الزائفة، ثم يبقى أسير شخص آخر يسيِّره كيفما يشاء ويقوده حيث يريد. وهل هناك سخرية واحتقار أكثر من هذا، حين يوسم إنسان بأنَّه ينتظر نياشين وأوسمة فارغة من محتواها من عدوٍّ لله وللوطن. أنَّه الغباء وفقدان المروءة. وهو أيضاً عنوان على السذاجة والغفلة.

بهذه الأوصاف يقدِّم لنا الشيخ البشير الإبراهيمي صورة عن أعضاء جمعية السنَّة، التي تأسَّست لمناوأة جمعية العلماء المسلمين الجزائريِّين، الذين انضمُّوا إلى هذه المنظَّمة دون أن يفقهوا لهذا الانضمام معنى. أنَّهم دخلوا عالماً جديداً لم يألفوه، ولا ينسجم مع مستواهم ولا حقيقتهم، كالبدوي الذي يدخل عاصمة متحضِّرة، يكون كلُّ ما يشاهده فيها غير عادي، وكلُّ ما يسمعه يكون غريباً عليه، فلا يدري كيف يتصرَّف!!! قيل لهم إنَّكم في جمعية، فلم يعرفوا من يرأسها، ولا كيف تسيَّر، طرقت أسماعهم مصطلحات، لم يكن لهم عهد بها؛ لأنَّهم أصلا لم يخلقوا لها، ولم تخلق لهم. ثم جاءت قاصمة الظهر التي لم يُفكِّر فيها، ولم تدُر في الخلد، جاء دور المطالب

(1) آثار محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص: 124.

١٧٤ / ٤٩٤