السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٧٥

والواجبات: الإعانة، الاستدراك، التبرُّع … ما هذه الألغاز؟ ما هذه الترهات؟.

يستمرُّ الشيخ البشير الإبراهيمي على هذا المنوال في بيان حقيقة هؤلاء القوم، الذين يدَّعون العلم ومعرفة السنَّة، التي يسخِّرونهما لهداية الناس: "دخل الجميع – لأوَّل مرَّة في تاريخ حياتهم - جمعية لا يدرون بمن تدار، ولا كيف تدار، وسمعوا لأوّل مرَّة كلمات النظام والاشتراك والمواد واللجان، وسمعوا خطبا مأجورة، لا فرق عندهم بينها وبين عزائم الجان، ثم تقاضتهم الجمعية ما لا عهد لهم به، ولا ألفته نفوسهم، وهو المال، الاشتراك، التبرُّع، الإعانة، فقالوا في أنفسهم إن الشيء لم نخلق له، وإنَّ هذا لشيء يراد"(1).

يتأمَّل في هذه السخرية وهذا التهكم، اللذين عمد فيها الكاتب إلى استعارة جواب المشركين حين قيل لهم إنَّ الله واحد لا شريك له: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمُ أَن امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمُ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادْ﴾(2) هؤلاء المشركون استغربوا تقليص الآلهة في إله واحد؛ لأنَّهم لم يألفوا ذلك. والدهشة والعجب أنفسهما يسيطران على هؤلاء الأتباع مِمَّن انضمَّ إلى جمعية السنَّة؛ حين يسمعون ما لم يألفوه، ولم يخطر على بالهم. هذا الاقتباس يؤصِّل في المسخور منهم صفتي الضلال والعماية، اللتين لازمتا المشركين. كما تكشف الصورة عن إيحاءات كثيرة وظلال متعدِّدة، نقف عليها حين نوفَّق في الربط بدقَّة بينها وبين صنيع أولئك الطرقيِّين.

نتساءل الكاتب: لماذا كان هذا الإنكار، وهذا الجواب من الطرقيِّين؟ فجاء الحسم منهم إنَّ: "آباءنا عوَّدونا أن نأخذ ولا نعطي، إنَّ زوايانا قائمة، فما معنى هذه الزاوية المنفرجة، التي اسمها جمعية علماء السنَّة، إنَّ نكاية الإصلاح فينا لأهون علينا ممَّا يدعوننا إليه"(3).

(1) م. س، ص: 125.

(2) سورة ص، الآيتان: 5، 6. ينظر تفسير هاتين الآيتين والتعليق عليهما في ظلال القرآن، مج5،ج23، ص: 3007 وما بعدها.

(3) م. ن. يرجع إلى بقية المقال لمزيد من التفاصيل، وأخذ فكرة عمَّا يشعر به الكاتب من مكايد الطرقيِّين.

١٧٥ / ٤٩٤