السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٧٦في هذه النهاية زفرة حارَّة يرسلها الكاتب، وهو يسقط هذه المشاعر على نفسه؛ لأنَّ اعتبار عمل الإصلاح نكاية هو ما كان يفهمه المصلحون من تصرُّفات الطرقيِّين. فأراد بطريقة ذكية تسجيل ذلك على لسان طرقي، أو أراد أن يقول إنَّ ما أراد أن يقوم به الإصلاح نحوكم أيُّها الطرقيُّون، وما يدعوكم إليه – رغم ثقله عليكم؛ لأنَّ فيه تركاً لما ألفتموه، وفيه مجاهدة للنَّفس، وفيه إعناتاً لكم - هو بعيد عن الاستغلال والقهر والعبودية.
يبدو أنَّ هؤلاء الطرقيِّين لا يعرفون سوى معاني الاستهلاك والأخذ … وقد كانت لهم عاداتهم وتقاليدهم وزواياهم. وكلُّ أساليبهم بركة ونعمة، تعمل على محو معاني البذل والتضحية والسخاء. يصوِّر من سمَّى نفسه "رمضان" هذه الفكرة في النادرة أو الفقرة الآتية، وهو يعرض جواب طرقيٍّ أحمق جاهل يجيب مندوب صحيفة، قال له: " قد بِتُّ البارحة طاويًّا، فهل عندك من طعام؟ قال كلاَّليس من عاداتنا معشر الفقهاء (يعني حفظة الشيخ خليل) إطعام الطعام فإنَّ العامة إذا رأونا نضيِّف أو نتصدَّق قبضوا عنَّا أيديهم"(1).
سوقاً للأمثلة التي تبيَّن أنَّ الأتباع غرقوا في أوحال الوثنية والضلالات، نذكر نموذجاً سجَّله الشيخ البشير الإبراهيمي، يكشف فيه مدى ما بلغه القوم من السفاهة في الرأي والتفاهة في التفكير، والغاية في الضلال؛ بهذا التصديق بكلِّ ما يتفوَّه به أسيادهم، وبهذا الاعتقاد الضال في أشياخهم وأوليائهم، الذين فتنوا بهم، حتى بعد مماتهم، وما يشغلون به أوقاتهم، ويهدرون طاقاتهم في العناية بها. يصوِّر الكاتب ذلك بطريقة تهكمية، ويقدّمه بما يشعرنا باحتقاره هذا السلوك المشين: " … وكان هؤلاء يعتقدون أنَّ أرواح الأولياء كالثعابين والحيَّات، تتّخذ من الحجارة المجموعة مقرًّا وملجأ، فكلَّما وجدوا حجارة مجموعة اعتقدوا أنَّها مباءة لولي، واتَّخذوها مزاراً. ولقد مررت في إحدى جولاتي في تلك المقاطعة الوهرانية بقطعة أرض موات كأنَّها مقبرة أموات مرصَّعة بالحجارة، مغطَّاة بالسدر والدوم، تحفُّها قطع متجاورات،
(1) الكفاح الإصلاحي بالعمالة الوهرانية: "يتعبَّدا بخليل" "الشعلة"،ع: 39 (12/ 09/1950م).