السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٧٧

غرست زيتوناً وكروماً وفواكه شتىَّ، فكأنَّ تلك القطعة من بينها جنَّة الرجاز التي تخيَّلها أبو العلاء المعرِّي في رسالة الغفران، فشهدت كلُّ واحدة بصاحبها … "(1).

السخرية تبدو فيما ضمَّنه الكاتب هذه الفقرة:

1) وصف عقول هؤلاء الناس بالسفاهة والسذاجة، لأنَّهم عدُّوا أرواح الأولياء كالثعابين والحيَّات، فهداهم تفكيرهم وضلالهم إلى اتِّخاذ كلِّ مجموعة أحجار مركومة مقرًّا لولي، يجب الاعتناء والاحتفاء بها، وتزيينها، والإكثار من زيارتها؛ لأنَّ ذلك يُعدُّ قُربة للولي.

2) وصف مفصَّل لعمل هؤلاء القوم في تزيين محيط هذه الأشجار المركومة، الموجودة في أرض موات، لا حياة فيها، وحمايتها بالسدر والدوم، تمنع عنها الأعادي واللصوص، ثمَّ إحاطتها بأشجار مثمرة منتجة في هذه الأرض الممحلة، بدل غرسها في أرض صالحة للإنبات والإنتاج. وكأنِّي بالكاتب يشير إلى ضياع مجهوداتهم فيما لا يعني، وهدر طاقاهم فيما لا طائل وراءه. إلى غير ذلك من المعاني التي يمكن أن يستنتجها المتأمِّل، وهو يحاول الغوص في أعماق النص، ويقف على دلالات كلِّ لفظة وجملة.

3) تشبيه أرواح الأولياء بالثعابين والحيَّات، فيه دلالة على الضلالة التي تضرُّ بهؤلاء الأولياء، حتى ولو لم يقصد هؤلاء المبتدعة ذلك. فإذا كانت هذه المخلوقات مصدر سموم وأخطار على البشر، فإنَّ أرواح هؤلاء الأولياء، التي تقدَّس من دون الله، أو تشرك بالله في التعظيم، تكون مصدر ضرر وهلاك لأصحابها؛ لأنَّه بسبب هذا التقديس سيلحقهم سخط الله، حتى ولو كان كثير من الأولياء غير راضين بذلك.

4) استنطق الكاتب التراث ليسعفه بلون من السخرية، وذلك حين عمد إلى لفت المتلقِّي إلى المقارنة بين هذه الجنَّة وجنَّة الرجَّاز التي تخيَّلها أبو العلاء المعرِّي(2).

(1) عيون البصائر، ص: 349.

(2) الرُجَّاز الذين يجعل أبو العلاء "بيوتهم في الجنَّة أقلُّ ارتفاعا من بيوت الشعراء، تماما كما تقلُّ أبيات الرجز من حيث القيمة الفنية عن أبيات الشعر … " ينظر الأدب في موكب الحضارة الإسلامية، قسم النثر، ص: 676.

١٧٧ / ٤٩٤