السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٧٨

ثمَّ عرَّض بالقوم حين قال إنَّ كلَّ واحدة من هاتين الجنَّتين تشهد بصاحبها.

أمَّا محمد السعيد الزاهري فيستغلُّ حادث محاولة اغتيال الشيخ عبد الحميد بن باديس(1). فينزل على الطرقية يكشف مخازيهم، ويعرِّض بسذاجة عقول أتباعها الذين لطَّخوا شرفهم وثلموا أعراضهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا. كتقديم بناتهم ونسائهم لشيخ الطريقة ليعبث بهنَّ، ويرون في ذلك بركة وقربانا في سبيل الله. فهم يمنعونهنَّ من السير وحدهنَّ في الشارع، يتحجَّبن عن الناس، ويُسفرن للشيخ، يفعل بهنَّ ما يشاء. يسجِّل الشاعر ذلك في سخرية وتهكم لاذعين:

ولربَّما زارَ النساءُ مُرابِطاً … قد جِئنَهُ لتطلُب البركاتِ

فينالُ ما يعطينَه، وينلنَ ما … ينويه، ولكن على النيَّاتِ(2)

يمعن الشاعر في التهكم والسخرية؛ للضَّحك على هذا المستوى من التفكير والتصرَّف من جهة، وللبكاء على هذه المفارقات العجيبة في هذه الحياة من جهة ثانية، وللنِّكاية بهؤلاء القوم من جهة ثالثة.

وعفِيفةٍ هَتَكَ المرابطُ عرضَهَا … وتظنُّ ذلك أطهَرَ القُرُبَاتِ

فتظلُّ تفخرُ في النساءِ بأنَّها … ظَفَرت مِنَ الأيَّام بالرَّغَبَات

نهاية كلِّ هذا العرض والتصوير تقرير حقيقة التصوُّف:

هذا التصوُّف عندهنَّ وهذه … آثارُ علمِ القوم والسَّاداتِ(3)

نلحظ شدَّة هذا الهجوم وقسوة هذا النقد، اللذين كانا ردَّ فعل على شناعة الفعل المُقدَمِ عليه، وخطورة أعمال هؤلاء القوم، التي أصابت الأمَّة في الصميم، يقول د. صالح الخرفي معلِّقا على هذه الأبيات، وهو يعقد مقارنة بين قصيدة محمد

(1) يقول الدكتور محمد ناصر "وكان هذا الحادث الخطير مثارا لأقلام إصلاحية كثيرة، توجَّهت ضدَّ الطريقة العليوية بصفة خاصَّة، تمطرها بوابل من المقالات التهكمية اللاَّذعة، تفضح حقيقتها للقرَّاء بأسلوب يسيل مرارة واستهزاء." المقالة الصحفية الجزائرية. مج1، ص: 116.

(2) الشعر الديني الجزائري الحديث، ص: 602. نشرت القصيدة في جريدة الشهاب، ع: (13/ 01/1927م).

(3) م. ن. ينظر المعنى نفسه الشاعر ابن عبد السلام. المرجع السابق، ص: 597،598.

١٧٨ / ٤٩٤