السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٨٠هو إلاَّ نزعة عمومية، كان من الواجب النزوع إليها؛ لأنَّ تلك الشخصيات متَّصلة بالحياة العمومية، فالحمل عليها من عوامل الإصلاح الاجتماعي"(1).
انطلاقاً من هذه الفكرة نجد الكاتب يتناول بعض الشخصيات المنحرفة أو المناوئة للحركة الإصلاحية بالتهكم والسخرية؛ خدمة للصَّالح العام، وللإصلاح الشامل كما يرى. مثلاً تناول تأبَّط شرًا شخصية "أحمد سكيرج"(2) تناولاً لاذعاً، واستعمل في هجائه والنَّيل منه آيات قرآنية وعبارات التقديس والإجلال تفكُّها به، مع ذكر ما كان يدَّعيه لنفسه، وما كان ينسبه مَنْ على شاكلته من الطرقيِّين لأنفسهم، مراوحاً بين التوعُّد والاسترحام المفتعل للإمعان في التهكم، خاصة لما هدَّد سكيرج بتوقيف "البرق" لسان حال المصلحين وجريدة محمد السعيد الزاهري.
يتهكم منه فينسب إليه الملك والعظمة ثم ينفي عنه بعد ذلك هذه الأبَّهة الزائفة: " … ولهذا زعمت أنَّك قادر على تحجير (البرق) الذي خطف بصرك، وأعشى عينيك، قادر على تحجير البرق، ما شاء الله كان، عفواً يا جلالة الملك سكيرج! سبحانك يا سكيرج! يا ذا الجلال والإكرام، واستغفرك وأتوب إليك! يا غافر الذنب! ويا قابل التوب(3)، يا سكيرج لا إله إلاَّ أنت يا سكيرج، سبحانك إنِّي كنت من الظالمين(4)، لا تعطِّل جريدة البرق، ولا تصدر فيها إرادتك السنِية يا صاحب العزَّة والجلالة، يا سكيرج اللهم يا سكيرج يا لطيف ألطف بعبدك الضعيف، أترك له جريدته، لا تعطِّلها يا سكيرج، سألتك بالخلوة العليوية، وما فيها من الفيوضات؛ أن تعفو عن صاحب البرق، وتصفح عنه، فإنَّك أنت العفوُّ الغفور"(5).
(1) "نصر من الله" البرق، ع: 20 (24/ 07/1927م).
(2) يذكر عبد الله ركيبي أن "سكيرج" رجل مغربي، كان قد أثار ضجَّة كبيرة في هجائه للمصلحين، بعد ارتداده من رجل إصلاح إلى طرقي. الشعر الديني … ص: 626،627. ينظر أيضًا البرق، ع: 11/ 04/1927م، وع: 23/ 05/1927م. وسكيرج كان واقفًا إلى جانب جريدة البلاغ الجزائري الطرقية.
(3) قال تعالى: ﴿حم تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ … ﴾ سورة غافر، الآيات: 1،2،3.
(4) قال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لآَّ إِلَهَ إِلآَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ سورة الأنبياء، الآية: 87.
(5) تأبَّط شرًّا (محمد السعيد الزاهري) جريدة البرق، ع: 3 (21/ 03/1927م).