السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٨١أيُّ تهكم هذا!! إلى أين يريد الكاتب أن يحطَّ بصاحبه، إلى أية دركة يبغي إنزاله فيها. فهو لم يكتف بهذا التذلُّل المصطنع الماكر للمتحدَّث إليه، ولم يشفِ غليله نداء واحد. فتوسَّل إليه بنداءات كاذبة، وضمَّنها صفات هي لله وحده. فسكيرج قابل التوب، غافر الذنب، وهو الله الواحد، وهو المستجار من الظلم، وهو المقدَّم له الولاء المطلق والخضوع، وهو المعترف له بالتقصير والظلم؛ لهذا يطلب منه التلطُّف بالعبد الضعيف … ويوغل في التعريض بتصرُّفات الطرقية حين يستنجد بجاه الزاوية وبفيوضاتها وكراماتها أن تعفو عن جريدة البرق، ولا تمسَّها بأذى، ولا تعطِّلها "يا سكيرج إنَّك أنت العفوّ الغفور" هذه الأفكار في الحقيقة هي ما تؤمن به الطرقية ويعتقده الأتباع والمريدون.
هل هناك إبراز للهوان والضعف والاحتقار للمخاطب أكثر من هذا الأسلوب وهذه الطريقة، إنَّه أسلوب الزاهري المؤلم الموجع المقذع، الذي يصيب المرء في مقاتله. يقول الدكتور محمد ناصر معلِّقا على نفسية الزاهري، وعلى اللقب الذي اختاره لنفسه: "وفي لقبه الأدبي (تأبَّط شرًّا) دلالة واضحة على نزعته الهجومية الحادَّة تلك، واسمعه كيف يشهد بذلك على نفسه(1) وانقضَّ أخيراً (تأبَّط شرًّا) مباغتًا للنَّفعييِّن المقامرين، ونجم عن تهكماته وقوارصه أثر، كلَّما تذكَّروه تمثَّل لهم كشبح مخيف، مكَّنَ من نفوسهم الإيمان بحديث الغول، ولكثرة ما تأبَّطه من المنغِّصات الهدَّامة لصروح الطرقيِّين ظَلَمَه من لم يدعه (تأبَّط شروراً) "(2).
ثم سرعان ما انقلب الكاتب على صاحبه؛ فراغ عليه ضربًا بيمين قلمه، وأوسعه قدحاً وإيلاماً ولذعاً، فسلب منه ما كان قد نسبه إليه من الملك والعظمة، وتهكم ممَّا كان يتوعَّده به من تعطيل جريدة البرق. تحدَّاه إن هو فعل ذلك؛ بأنَّه سيردُّ على المشتركين اشتراكهم في الجريدة؛ اعترافاً بسطوته وقوَّة بأسه عليه.
ويكون "سكيرج" فرعون موسى، فيخاطبه الكاتب بما خاطب به السحرة فرعونَ؛ حين سقط في أيديهم، لما تفوّق عليهم موسى وأبطل سحرهم، بعدها