السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٨٣

وإصلائهم ناراً حامية وتجريعهم الزقوم والغسلين. وقد أجهدوا أنفسهم في استعمال أسلوب السخرية، لكنَّه جاء ضعيفاً، غلب عليه الهجوم والإقذاع والتعيير(1).

مِثلما كانت المقالة الصحفية بارزة بروزا شديدًا في هذا الصراع، كان للشِّعر حضور أيضاً في هذه المنازلة الأدبية والفكرية. يشير الدكتور عبد الله ركيبي مثلاً إلى معركة كانت حامية الوطيس بين الشاعر الإصلاحي "حسن بولحبال وشخص ينتمي إلى الطرق الصوفية يسمِّي نفسه رشيدا" وقد استمرَّت المعركة بينهما طويلاً. تخلَّلت القصيدة لمحات ساخرة، من ذلك رسم صورة كاريكاتورية فكاهية لشعر أصحاب الطرق، الذي ليست له أية قيمة أدبية: معنوية وفنية، مماثلا بينه وبين شَعَر لحية الشيخ:

وشعركم له شَعَر ولكن … كشعر الشيخ ينتفه المريد(2)

في هذا التوظيف دلالات، نشير إليها للوقوف على ما في البيت من سخرية:

1) مقارنة مضحكة ساخرة بين شعر هؤلاء الطرقيِّين وشَعَر شيخهم، وفي ذلك تعريض هادف إلى ازدراء الطرقيِّين واحتقارهم؛ فكما أنَّ أشياخ الطرق يتَّخذون لحي، يتظاهرون بها بالتقوى والصلاح والزهد، يصطادون بها السذج من الناس، والبسطاء منهم. فإنَّ شعرهم يحاول أن يتَّخذ لنفسه شَعَراً، عساه يظفر بالتقدير والاحتفاء من سامعيه. مادام الشعَر غدا رمزاً للخصال الحميدة، ومادام كلُّ من حملَهُ يضمن التقديس والاحترام. حتىَّ ولو كان هذا غير ممكن، لكنَّ الطرقيِّين ألفوا تحويل المستحيل ممكناً، ولو ادَّعاء وزعماً.

2) إقذاع وسخرية من الشعَر واللحية معاً، حين يصوِّرهما الكاتب بأنَّهما مهانان محتقران؛ إذ يعبث المريدون وغيرهم باللحية، الرمز على الرجولة والشهامة والمروءة، بل تنتف لأنَّها ليست حقيقية ولا أصيلة. والحال نفسها تنطبق على الشعر.

(1) ينظر مثلاً "عمر بوبكر الزنجي الغرنافجي" نتوء رؤوس الشياطين"، جريدة الروح، ع: 18 (15/ 11/1938م) ينظر الجريدة نفسها "تصدع بالحق وتهدم ما بناه المبطلون" (د. إ) ع: 7 (30/ 04/1938م). المقال تعريض بجريدة الأمّة لأبي اليقظان، وتهديد وتوعَّد بمحاربة المصلحين بسلاح أحدٍّ، وبمقابلتهم بقسوة أشدٍّ … مع محاولة صبغ الكتابة بالسخرية.

(2) الشعر الديني الجزائري الحديث، ص: 604. ينظر جريدة "صدى الصحراء"، ع: 15/ 03/1926م.

١٨٣ / ٤٩٤