السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٨٤أمَّا شعره (أي الشاعر) فهو أصيل وفحل، يعمل عمله في الطرقيِّين، ويؤثر فيهم أيّما تأثير. يستغلُّ الكاتب الحروف التي يتركَّب منها اسمه (بو لحبال) فيولِّد منها معنى يهجو به رشيداً وشيعته، ويسخر منهم ويهدِّدهم:
أنا صاحبُ الحبل الطويل(1) أتيتُكُم … شعري كحبلٍ محكمٍ وطويلِ
مهمَا ألاقي جمعَكُم ينتابُنِي … داءُ الحماسِ، وعند ذاك أَصُولُ(2)
زيادة على السخرية، فإنَّ البيت الأوَّل حمل مجوناً تضمَّنَتهُ كلمة "حبل" التي اشتقَّها الشاعر من اسمه. هذه الملاحظة تترجم عن روح العصر الذي كثرت فيه هذه الممارسات، وفي الوقت نفسه تفصح عن الصراع الذي اشتدَّ بين الطرقيِّين والمصلحين، فأفرز مثل هذا السلوك(3). كما يستغلُّ بولحبال توقيع خصمه كتاباته وأشعاره باسم مستعار"رشيد"فيسخرمنه ويتَّهمه بالجبن والخوف، ثمَّ يهجوه هجاء مؤلماً شديداً، وينتقده بأسلوب بذئ، ينبذه الذوق، ويرفضه الحياء(4):
أنتَ من جهل اسمه فظلَّ خفيًّا … حضَرت أمُّه وغابَ أبُوه
قد تَوارَيتَ بالحجَاب بجُبنٍ … فلماذَا على الرِّجال تتيهُ(5)
قد كان هناك صراعٌ عنيف وشديد بين أدباء، يمثِّلون اتِّجاهات جرائد معيَّنة، التجأت إلى السخرية والتهكم، لكنَّهما بَدَوا ضعيفين في كتاباتهم - في كثير من الأحيان - ومسفِّين بالأدب والفنِّ أحيانا أخرى. تمَثَّلا واضحين في المهاترات
(1) كان الشاعر يوقع كتاباته باسم (بوحبل).
(2) الشعر الديني الجزائري الحديث، ص: 605. ينظر جريدة "صدى الصحراء" ع: 29/ 03/1926م. ارتكب الشاعر خطأً نحويًّا؛ إذ لم يجزم الفعلين (ألاقي، وينتابني) فإنَّ "مهما" تجزم الفعلين المضارعين إذا دخلت عليهما، كان المفروض أن يقول (ألاق، وينتبني) إلاَّ أن الوزن لا يستقيم. في الشطر الأوَّل كسر.
(3) هذا على غرار بيت "ديك الجن" الذي أشار فيه إلى مدير المرصاد، فأتني بدجاجهم ولا عليك:
"نظرة فارتعاشة فانتفاض … فانقضاض فمهلة فابيضاض"
ينظر جريدة المرصاد، ع: 29 (21/ 10/1932م).
(4) أغلب ما كتبه بهذه الروح فيه إسفاف وتجريح، يدخل في باب المهاترات لا الفن. ينظر الشعر الديني الجزائري الحديث، ص: 606.
(5) م. ن.