السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٨٥الكلامية التي أبداها بعض الكتَّاب من الفريقين، وهي تخرج من باب التهكم إلى المتاجرة بالكلمة، والاشتغال بالولوغ في أعراض الناس، والانصراف إلى اللهو المحظور في الدين والأدب. وهي تدلُّ - في كثير من الأحيان- على الإفلاس من الحجَّة، والفقر إلى الأدلَّة، والضعف في التحكُّم في النفس، التي تكتب بدافع من الحقد والغضب؛ فتثور وتهيج وتتبذَّى في أسلوب الخطاب … إنَّ ذلك يدلُّ على حال السقوط والانهزام النفسي والاندحار والتدنِّي، ويسجِّل حالة الضعف الفنِّي، والعجز وعدم التمكُّن من الأدوات الفنِّية في الكتابة بأسلوب السخرية. هذه الطريقة في المعالجة تدلُّ على ابتعاد الأدباء عن آداب المخاطبة وقواعد المناقشة والحوار والتنافس وأدب الاختلاف.
ونحن إذ نسجِّل هذه الملاحظات على هذه النصوص، ونحن نعالج موضوع السخرية، التي قد تبدو غير متوفِّرة فيها، ممَّا قد يخرجها من دائرتها؛ فلأنَّنا لمسنا وأحسسنا بأنَّ أصحابها قصدوا السخرية وإن أخطؤوا سبيلها، بدليل لجوء الأدباء إلى التعريض والاستهزاء والتقحُّم على الغير، وإن اشتطُّوا في ذلك. وقصدنا الإشارة إلى ذلك للتأكيد على الوضع الصعب، الذي كانت تعيشه الجزائر في ظلِّ الاستعمار، وبخاصة فترة الثلاثينيَّات، التي تصاعد فيها الصراع واحتدَّ الخلاف بين أطرف مختلفة، كانت تنشط في الساحة. ثم لأثبت أنَّ الأدباء لم يكونوا دائماً موَّفقين في سخريتهم. ومن ثمَّ أؤكِّد علىنَّ السخرية الفنية النَّاجحة تتطلَّب – عادة- مستوى معيَّناً للمعالجة الأدبية؛ لابدَّ من الحرص على الارتقاء إليه؛ كي تكون الكتابة مقبولة فنيًّا.
5 ـ الصراع عن طريق انتزاع اعترافات:
اتَّخذ الصراع بين المصلحين والطرقيين شكلاً آخر، وتلبَّس لبوس الاعترافات، أو انتزاعها من أصحابها، أو الإقرار بما نُسبَ إليهم من أعمال منكرة. فكانت الحقائق – في نظر كلِّ فريق- تنتزع في جلسات، ومن أحاديث، وفي اجتماعات ألف كلُّ طرف عقدها، وهي تدخل في صميم استراتيجيَّته، وضمن خطَّته وأسلوبه في العمل، حتىَّ ولو كانت هذه الأحاديث هي إلى الخيال في التناول