السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٨٦

أقرب منها إلى الحقيقة. إلاَّ أنَّها تبقى طريقة مبتكرة في الكتابة(1) وأسلوبا متعمَّداً في السخرية. وهو ما يقوم دليلاً على التطوُّر في الصراع، والتقدُّم في المنافسة والمنازلة.

فـ "إيَّاس" (وهو الشيخ بيُّوض)(2) حاول من خلال ما كتبه تحت عنوان "جلسة المخذولين"(3) أن يبيِّن أنَّ الطرقيِّين كانوا في جلساتهم واجتماعاتهم، يعملون على تدبير المؤامرات وتلفيق التهم ضدَّ المصلحين، وفي الوقت نفسه عمِدَ إلى نفي ما ينسبه الطرقيُّون إليهم من هذه الأعمال الشنيعة. لكنَّ أحد هؤلاء الطرقيِّين وهو "هبنَّقة" أحد أبطال "جلسة المخذولين" يجيبهم بما هو متعارفٌ عليه، وبما يوصف به أشياخهم - عادة - من التدجيل والتلاعب بالدين، والتطاول عليه بالتحليل والتحريم؛ حسب الأهواء والمصالح:

"هبنَّقة – ليس كذلك، بل نقرُّ ونستصوب فعلنا، فإنَّنا لا نعدم تأويلاً نحقُّ به باطلنا كما قال الشيخ في خطابه الافتتاحي، فما دام الشيخ فينا لا نخشى أن تعترض طريقنا عقبة من جهة الدين، فهو بهمَّته يذلِّلها، فلا يعجزه أن يأتي بدليل يبيح به حرامًا، أحوجتنا الضرورة إليه، فأمْرُ الشرع بيده، يمحو ما يشاء ويُثبِّت.

الأهوج – إنَّ الكذب لأجل المصلحة جائزٌ شرعاً، فخذوا فيما أنتم فيه، ولا تنازعوا"(4).

إنَّ الكاتب يصبغ كتابته بصيغة السخرية حين يقتبس جملة قرآنية، وصف الله نفسه بها أو فيها، بأنَّه القادر على كلِّ شيءٍ، والمتصرِّف المطلق في الكون

(1) وإن كانت الطريقة ليست جديدة، فقد عرفت من قبل في الأدب العربي، مثل أحاديث ابن دريد، ومقامات بديع الزمان الهمذاني، وإمتاع أبي حيّان ومؤانساته، وأمالي المرتضى … وما عرف في الأدب العربي الحديث.

(2) الشيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض (1899 - 1981م) ركن من أركان الحركة الإصلاحية الجزائرية، عضو إدارة جمعية العلماء المسلمين الجزائريِّين، مؤسِّس معهد الحياة الثانوي (القرارة) سنة 1925م. من آثاره تفسير القرآن الكريم تدريسا في مسجد القرارة (1935 - 1980) وشرح كتاب "فتح الباري شرح صحيح البخاري" (1931 - 1945م) شرعت جمعية التراث (القرارة) في طبع تفسيره. تراجع ترجمته في كتاب: أعلام الإصلاح في الجزائر، بأجزائه الخمسة، لمحمد علي دبُّوز.

(3) ينظر جريدة "وادي ميزاب" الأعداد: 61، 62،64، 72، 79، 81.

(4) "إيَّاس" جلسة المخذولين، جريدة وادي ميزاب، ع: 81 (04/ 05/1928م).

١٨٦ / ٤٩٤