السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٨٨بانهزاماتهم أمام قوَّة المصلحين، وفشل كلِّ مناوراتهم ومكايدهم، التي لم تمرَّ، ولم تنطل على الناس بفعل إخلاص العاملين في ردِّ أعمال الطرقيِّين المنكرة. فحين وصل سمعهم مثلاً أنَّ المؤامرة التي دبَّروها لنسف أحد معاقل المصلحين قد باءت بالفشل علتهم كآبة، وظهرت على وجوههم خيبة الأمل، وشعروا بإحباط نفسي، فقال: "الجميع ما هذا الذي تقصُّ علينا يا أبا رغال؟ أنحن في يقظة أم في منام؟
أبو رغال – إنَّما أقصُّ عليكم الواقع الذي لا شكَّ فيه، وفي حال اليقظة، لا في المنام"(1).
يستغلُّ الكاتب هذه المناسبة؛ ليعرِّض بمواقف هؤلاء القوم المتناقضة، والتي لا تعتمد على أسس صحيحة، ولا تستند إلى مبادئ ثابتة، فيذكِّرهم بموقفهم في رفض العمل بالتليفون في ثبوت هلال رمضان وشوَّال، بينما يقبلون عدا ذلك من الأخبار. هذا الموقف يدلُّ على التعنُّت وعلى الجمود الفكري. كما يدلُّ على السذاَجة؛ حين يرفض أحدهم تصديق خبر انهزامهم؛ لأنَّه جاءه بواسطة الهاتف. وفي تصوير ذلك والتعليق عليه تهكم وسخرية لاذعة.
(الشيخ الأرعن) يجيب (أبا رغال):" هوِّنوا عليكم فإنَّ الخبر إنَّما ورد على زعيمنا (النمرود) عن طريق التليفون، وخبر التليفون غير صحيح.
(أبو الدسوم) كعْرَرْ(2) نحن إنَّما نجاريك في ذلك فيما يخصُّ هلال رمضان وشواَّل فقط، وأمَّا ما عدا ذلك فلكم دينكم ولي دين"(3).
لكي يثبت الكاتب اندحار هؤلاء القوم، وسقوطهم وضلالهم، ينتزع منهم هذا الاعتراف وإقرارهم بأنَّهم كانوا واقعين تحت تأثير وسوسة الشيطان، وإغوائه ووعوده الكاذبة المضلِّلة. قدَّم ذلك في صورة الملاومة والجدل، اللذين يكونان يوم القيامة بين الضعفاء والمستكبرين. وذلك حين يتفطَّن الضعفاء أنَّه غُرِّرَ بهم. وفي هذا التصوير مسحة من التهكم والإقذاع:
(1) رقيب هو (أبو اليقظان)، "حديث المفلسين"، جريدة الأمَّة، ع: 165 (03/ 05/1938م).
(2) كعرر: لفظة عامية، تطلق ويقصد بها الدعوة إلى الكف عن التقعير. ويبدو في مدلولها أنَّها قريبة من معنى كلمة كَعَرَ التي تعني: أنَّبَه تأنيبا شديداً.
(3) جريدة الأمَّة، ع: 165.