السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٩٣

واحتقار - أحياناً- للجهة التي صدرت منها تصرُّفات، لاَ تتناسب مع المكانة أو الهيئة المحترمة التي تتَّصف بها. وقد ظهر هذا النقد بأساليب متنوِّعة، وأشكال مختلفة، تعدَّدت تعدُّد مظاهر الانحراف، واتِّساع ميادينه ومجالاته؛ قصد الإصلاح والتقويم والتغيير. من بين تلك الأساليب أسلوب السخرية؛ لأنَّه "حين تتَّسع الانحرافات الفردية والاجتماعية، وتتفشَّى مظاهر الفساد والقهر، تستخدم السخرية وسيلة للإصلاح والتقويم، وتقوم بفعل القصاص والعقاب، كما تقوم بتخفيف أعباء الانفعال، واستهلاك الكمية الفائضة من التوتر"(1).

بعض هذه الأمراض وهذه الآفات يطلعنا عليها "الحاج محرَّم"، وهو يبعث بجواب مغلوق إلى مدير جريدة "البستان"، يلومه فيه على تهجُّمه عليه (أي على شهر محرَّم)، الذي يحلُّ على الناس كلَّ عام، فيحتفون به، دون أن يفقهوا حقيقة ما يقومون به، ولا يعرفون أنَّ "محرَّم" يمثل الطهر والأمانة واتِّباع شرع الله، والانتهاء عمَّا نهى الله عنه. يحتفلون به والأمراض الاجتماعية والمحرَّمات والمنكرات تملأ حياتهم. وكأنِّي بمدير الجريدة يلوم هذا الشهر، أو يتندَّر به وبمجيئه والعالم على تلك الحالة، فيجيبه "الحاج محرَّم " هل الناس تغيَّروا أم أنا الذي تغيَّرت، انظر إلى ناس القرن الأوَّل والذي يليه، والذي يليه، كيف هم في التقى والفضيلة والمروءة والعفَّة والغيرة، إلى غير ذلك من الأخلاق الإسلامية التي عدَّدها له.

ثم سرد عليه ما شاهده أثناء إقامته بين ناس العصر وماساءه، ثم قال: "ها أنتم هؤلاء ترون وتعلمون علم اليقين أنَّه ما كفر (محرَّم) ولكنَّ الشياطين كفروا، يعلِّمون الناس ما تقدَّم من المعاصي، ويعلمونها بلا احتشام ولا خجل. فهبكم يا مولاي الكريم مكاني، فبماذا تعاملون من يعاملكم؟ بالإهانة والحقارة؟ والله سبحانه يقول(2) ﴿ … فَمَن اِعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ … ﴾(3).

(1) الاتِّجاه الساخر في أدب الشدياق، ص: 307.

(2) سورة البقرة، الآية: 194.

(3) "الحاج محرَّم في رحلته 1352هـ جواب مغلوق إلى سيدي مدير جريدة البستان"، البستان، ع: 2 (11/ 05/1933م). يبدو أن المقال لأبي اليقظان.

١٩٣ / ٤٩٤