السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٩٥واحد. قدَّم الكاتب ذلك مسجِّلاً الظُّروف والأساليبب التي جعلت الناس ينزلون إلى هذه الدركة، ويسبحون في هذه الحمأة، ولا تكون هذه الأساليب سوى ما يتَّصف به الناس من سوء الأخلاق، وتعفُّن في العلاقات بينهم، وانقلاب الموازين عندهم والتخلِّي عن الدين في هذه العلاقات، وتحكيم الهوى في هذا السبيل: " … وجلس الفتى في ركن منعزل، وهو على أسوإ ما يكون من الحالة النفسية، مصفّر الوجه، محطَّم الأعصاب. كان يمثِّل بحقِّ الفضيلة المطعونة في صميمها، المغلوبة على أمرها، وزاد تأثُّره حينما بدت له الرذيلة المنتصرة، يؤيِّدها الجاه الكاذب، الذي شيَّدته المادة، يؤازرها شهود الزور، الذين خلقتهم المادة. هذه المادة التي جمعت من الحرام ولا سيما من أموال الضحايا الكثيرين بطرق الربا وغيرها من أنواع اللصوصية المشروعة في عرف الإنسان وقانونه، قانون الإنسان الذي يدين البائس الجائع، وهو يختلس رغيفًا، يعدُّ من حقِّه، ما دام من حقِّه أن يعيش، ويرمق بعين الإكبار والإجلال الثريِّ العظيم، وهو يسلب أموال الناس جهارا، يحميه القانون الذي وضعه الإنسان ويساعده"(1).
بناء صورة المجتمع، وبيان حقيقته بهذه الكيفية، وكأنَّه بنيان يشدُّ بعضه بعضاً، لكن بمواد مُحَطِّمة له، فيه التشييد والخلق، فيه المؤازرة والتأييد، فيه القانون والحماية. لكنَّ كلَّ هذه الأشياء تشين هذا البنيان عوض أن تزيِّنه وتقوِّي منه. تقديم هذه الصورة بهذه الطريقة أسلوب طريف، لا يخلو من السخرية والتهكُّم، بسبب المفارقات التي يتوفَّر عليها المجتمع، ولكثرة الرذائل التي تنتشر فيه.
بناؤها على هذا النسق فيه دلالة نفسية كبيرة على عمق الجرح المحفور في نفس الكاتب؛ تألماً من الوضعية المتردِّية. وقد تكفَّلت السخرية والتندُّر بالتعبير عن ذلك، والتنفيس عمَّا في القلب.
(1) غادة أم القرى، ص: 40. حتى ولو كان الحديث عن "جميل" أحد أبطال روايته "غادة أم القرى" والقصَّة تدور أحداثها في أرض الحجاز؛ إلاَّ أنَّ الأفكار التي تضمنتها هذه الرواية، كان يعني بها الكاتب كلَّ من اتَّصف بما حكى عنه؛ بدليل إهدائه هذه الرواية إلى: " تلك المخلوقة البائسة المهملة في هذا الوجود، إلى المرأة الجزائرية أقدِّم هذه القصَّة تعزية وسلوى." م. س، ص: 3.