السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٩٦جريدة "الشعلة" بدورها تشير إلى هذه الأوضاع المتدهورة، وتعرَّض في ركنها "مسامير" ببعض هذه الأحوال، بطريقة لا تخلو من طرافة، لكنها مؤلمة وهادفة: "أضرب حدَّاد الشعلة عن صنع المسامير أثناء شهر رمضان، لا رفقاً بالمسمِّرين، ولكن رفقاً بنفسه؛ لأنَّه لا يطيق أن يتحمَّل عناء الصوم وحرارة الصيف وصنع المسامير، وعبثاً حاولنا إقناعه بضرورة العمل؛ لأنَّ رمضان أبطاله من هواة المناكر والعبث، فللقمار رجال لا يزاولونه إلاَّ في رمضان، والكيف المخدِّر اللعين تجده يبخر أغلب المقاهي برائحته الكريهة. وإخواننا الأغنياء الذين لا يعرفون من فضائل رمضان إلاَّ التخمة في الأكل. ولكنَّ الحداد أبى أن يصنع مسماراً واحداً لهؤلاء جميعاً، وحجَّته أوَّلاً: إنَّ المسألة مسألة دين، وهو يميل جدًّا إلى فصل الدين عن المسامير. ثانيًّا: إنَّ في رجال الوعظ والإرشاد كفاية، وما عليكم إلاَّ أن تنبِّهوهم إلى مثل هذه الموبقات التي يسمعون بها من بعيد، ويتحدَّثون عنها من أبعد! … وقلنا وموبقات العيد؟ … قال تلك أنا لها فإلى يوم العيد إن شاء الله"(1).
زيادة على وصف الحالة المتردِّية، وكثرة ما في المجتمع من انحرافات. فإنَّ النص لم يخلُ من بعض التعريض برجال الوعظ والإرشاد الذي يهملون واجباتهم الدينية … وكأنَّه يلمِّح إلى أنَّ من بين المتسبِّبين في هذا التدهور رجال الدين، الذين كان عليهم أن يقوموا بواجباتهم، ويكونوا قريبين من الشعب؛ لتوجيهه وإرشاده، غير أنَّهم يظلُّون بعيدين عنه بعد الكرسي عن ميدان العمل، وبعد حقيقتهم - بوصفهم موظَّفين وناساً يخدمون السلطة - عن طبيعة الهيئة التي يمثِّلونها. كما عرَّض الكاتب بالذين يتَّخذون شهر الصيام مناسبة للكسل، فيُضربون عن العمل بحجَّة عدم قدرتهم على النشاط والحركة، بينما هم ينشطون في ميادين الموبقات، ولم ينس التهكُّم بالذين يسيرون في ركاب الاستعمار من الجزائريِّين.
من هذه النصوص الطويلة التي سردناها - وقد تعمَّدنا ذلك - يتبيَّن لنا أنَّ الأوضاع الاجتماعية في الجزائر كانت متردِّية تردِّياً فظيعاً؛ ممَّا جعل أغلب الذين
(1) "حدَّاد الشعلة" (د. إ)، الشعلة، ع: 28 (22/ 06/1950م).