السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٩٨عن ظاهرة النفاق التي سادت المجتمع كتب أبو اليقظان مقالاً تحت عنوان "أي هكذا"، بيَّن فيه التناقض والتنافر في سلوك بعض الناس؛ حين يؤيِّدون كلَّ موقف يعرض أمامهم، ولو اقتضى الحال الترحيب بموقفين أو رأيين متناقضين، المهم عند هؤلاء أن لا يخسروا ولاء من تكون مصلحتهم مرتبطة بهم. قدَّم لنا صورة لهذا النموذج من الناس في سخرية وتهكُّم: فحين يُنبَّه شخص إلى وجوب التحلِّي بالصدق والإخلاص والاستقامة في الحياة يجيب (أي هكذا)، وإذا قيل له يجب على من يعيش في زمن النفاق والخداع أن يكون موافقاً للجميع، ومحبًّا للجميع، وأخًا حميمًا للجميع، يجيب (أي هكذا)، وحين يقال له يجب أن تكون مع المصلحين، مناصرًا لهم في إحياء السنن ومحو البدع، يقول (أي هكذا)، ولما يُنبَّه أن يكون حرباً على هؤلاء المصلحين المغيِّرين في الدين، المشوِّشين … يقول (أي هكذا)، وحين يطلب منه العمل على توحيد صفوف المسلمين، ومساعدة العاملين في سبل الخير، على مقاومة الجهل والبؤس والفساد، والإخلاص في ذلك يقول: (أي هكذا)، ولماَّ يقال له عليك أن تتوارى عن الناس ولا تفكِّر إلاَّ في نفسك، فالزمان قد فسد، وضمائر الناس قد خبثت … يجيب (أي هكذا).
يدعي إلى الأخذ بأسباب التقدُّم، وطلب العلم والتجديد في أساليبه، فيقول (أي هكذا). في مقابل ذلك حين يقنع بضرورة العكوف على القديم، ولزوم الجمود والتعصُّب لمبدإ ﴿إِنَّا وَجْدَنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾(1)، ولو كان فيه ضرر وإضرار يجيب ويقول (أي هكذا). حين يقال له: "إنَّ من آيات العصر الجديد وحسناته الباهرة هذه الجرائد الصادقة النزيهة، فهي الأمُّ المثقَّفة لأولادها، والمدرسة السيارة المهذِّبة لأبنائها، والمعلِّم النصوح لتلاميذه، والمرشد الحكيم لمريديه، والطبيب الحاذق بمرضاه، والمصلح الكبير لشعبه (أي هكذا). تبًّا وسحقاً لتلك الأوراق الثائرة التي يسمُّونها الجرائد، فهي أداة تغليط وإفساد وآلة
(1) سورة الزخرف، الآية: 23.