السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٠٠

إذا الإخوانُ بي حفُّوا وطافُوا … تولاَّني ارتجاجٌ وارتجاف

وضَاقَت حيلتي واشتدَّ كربي … وكاد يصيبُني الموتُ الزُّعاف

وما سبَبٌ لذلك غير أنِّي … أخافُ عليَّ منهم ما أخاف

أخافُ طموح أعيُنِهِم لكيسِي … فأكرهُ أن يفارقَه الغلاف

تلامِسُه بقعر الجيب كفِّي … وعيني مالها عنه انصراف

وإن أفتحْهُ أفتَحْهُ اختلاسًا … وفي نفسِي انكسارٌ وانكساف

فإن لمحَته بين يدي عينٌ … ألمَّ بلحيتِي (حاءٌ وكاف)

فيا من قام يدعُوني لبذلٍ … دعاؤُكُم لي هراءٌ أو هُرَاف

وقولُك لي بأنَّ البذل فخرٌ … خُرافٌ لا يُماثِلُه خُراف

فأخبرُ سائرَ الإخوان عنِّي … بأنِّي لا أُضِيفُ ولا أُضَاف

وإنِّي إن صنعتُ لهم طعامًا … عرانِي في طبيعتِيَ انحراف

ألا يا باذلي الأموال كفُّوا … فإنَّ البذلَ ظُلمٌ واعتساف

وهل ضِقتُم بِحمل المال ذرعًا؟ … لعمري إنَّكُم قومٌ ضِعاف

فها أنا دونكم حامٍ لمالي … كما يحمي السُّويداءُ الشِّغاف

وكيف يُؤذِّني مالي، ومالي … - بحمد الله- أوراقٌ خِفَاف؟

وإن قلتُم زكاة النقدِ فيها … فتلكَ قضيَّةٌ فيها خلاف

فيا من ظنَّني للجودِ أهلاً … وبعضُ الظَّنِّ إثمٌ واقتراف

رويدَك إنِّني رجلٌ بخيلٌ … فهل يكفيك هذا الاعتراف(1)

توخَّى الشاعر في هذه القصيدة أساليب مختلفة للوصول إلى غايته، وهي تقديم صورة حقيقية عن البخيل، والكشف عن خطورة البخلاء في المجتمع، من حيث وقوفهم عقبة في سبيل تطوُّره وتقدُّمه؛ لأنَّ الإمساك عن البذل والانزواء عن الناس، وبثِّ هذه الأفكار في الأوساط، والتشكيك في جدوى الإنفاق وإعطاء الزكاة، أفكار لا تتماشى مع روح الشريعة، ومع سنن التطوُّر في الكون والمجتمع.

(1) الحارث بن همام، "لسان حال البخيل"، جريدة المرصاد، ع: 5 (29/ 01/1932م).

٢٠٠ / ٤٩٤