السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٠١التنبيه إلى هذه الخطورة هدفٌ أساسي يرمي إليه الشاعر. خاصة وأنَّ الشاعر قال القصيدة سنة 1932م. في هذه الفترة كان المصلحون يسعون إلى بناء المجتمع الجزائري؛ بعد التفكُّك الذي أصابه؛ نتيجة عوامل وأسباب، فكان من بين ما اعتمدوا عليه الحضُّ على البذل والإنفاق في سبيل بناء المشاريع الخيرية؛ لاحتواء النّشء ومؤازرة المعوزين والمحتاجين، لينتشلوهم من براثن الاستعمار ومن أشراك الأعداء؛ لأنَّ مثل هذه الأفكار التي نطق بها البخيل تصدُّ عن الهدف الأسمى.
وممَّا أضفى على النص مسحة من الطرافة والسخرية الهادفة تتبَّع الشاعر الجزئيات في حركات البخيل وتصويرها بدقَّة؛ فنفسه تتحرَّك وتهتاج حين يطلب منها تقديم شيءٍ أو إخراج جزء من ماله ولو كان ضئيلاً. تحرُّكها وإشاراتها وتصرُّفاتها كلُّها تبعث على الضحك والازدراء … قدَّم الشاعر هذه التفصيلات في أسلوب ساخر ماكر. كما اعتمد الشاعر أسلوب المحاججة المنطقية؛ بغية إنطاق البخيل بحجج وردود عن كلِّ مسألة وكلِّ مقالة تقدَّم له؛ تحثُّه على البذل. هذه الطريقة تنطوي على سخرية لاذعة؛ لأنَّها توقفنا على تفاهة هذه النفس، حين تصدر منها هذه الأجوبة، وهذه التفسيرات، التي تبعدها عن حقيقة الإنسان، وطبيعة البشر، كما تكشف عن ضآلة هذا العقل وتفاهة هذا التفكير. هذا التناول يذكّرنا بالجاحظ مع بخلائه، وكيف يسبر أغوار نفوسهم ليعرّفنا بتصرُّفاتهم، وطبيعة نصائحهم وتفسيراتهم لسلوكهم …
وقد لجأ الشاعر أيضًا إلى الجناس الذي أضفى علة النص جوًا من الجمال والحسن، أعان على إيجاد مسحة من السخرية والتهكم (ارتجاج وارتجاف، انكسار وانكساف، هراء وهراف … ) وبمثل هذه الأساليب التي توخَّاها الشاعر هيَّأ لنصّه جوًّا من المتعة، ونصيبًا من الحركة والحيوية، تبعد عنه الملل والجمود ..
من خلال ما أتينا به من النصوص التي تناولت نقد الأوضاع الاجتماعية، نسجّل أنَّ الأدباء أبدعوا – في عمومهم- وتفنَّنوا في الكتابة، وتشخيص بعض الآفات الاجتماعية، وقد ظهرت فيهم خصائص المبدع الذي يمتاز عن غيره