السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٠٢بحساسية مرهفة في الكشف عمَّا يكون من ثغرات وفجوات في الحياة الاجتماعية، قد لا يشاركه فيه من هو حوله؛ بسبب اختلاف في الرؤية والنظرة، وتباين في مستوى المعرفة، ورقّة الوجدان … وهو ما أشار إليه "مصطفى سويف" في حديثه عن الخصائص الكبرى للتَّفكير الإبداعي، التي من بينها: "الحساسية المرهفة لإدراك ما تنطوي عليه مواقف الحياة المختلفة من ثغرات أو مشكلات، وتعتبر هذه الحقيقة نقطة الانطلاق للتّفكير المبدع"(1). ليس معنى هذا أنَّ كلَّ ما كتب في الموضوع كان في مستوى الإبداع، بل هناك ما كان بعيداً عن ذلك وقد أشرنا إليه في محله.
ج - المرأة:
من بين الموضوعات التي تناولها الأدب الجزائري الساخر موضوع المرأة، غير أنَّ ما كتب فيه كان قليلاً بالمقارنة إلى ما كتب في الموضوعات الأخرى، وبالنظر إلى ما كان يحتاجه هذا الموضوع من اهتمام وعناية؛ لأهمية المرأة في المجتمع، ولدورها الكبير في طبعه وتوجيهه وجهة معيَّنة، وبالنَّظر إلى الوضعية المزرية التي كانت تعيشها المرأة الجزائرية، من جهل مطبق وأمِّية فظيعة، يقول أحمد توفيق المدني: " تمتاز المرأة المسلمة في قطر الجزائر بالجهل العظيم، فأبناء جلدتها لم يفكِّروا في تكوين مدارس أهلية لها بعد أن اضمحلَّت (ديار المعلمة)، والمدارسُ الحكومية للبنات لا تأوي إلاَّ نحو ثلاثة آلاف بنت، بقطع النَّظر عن التعليم الذي يتلقَّينه فيها"(2).
كما كنَّ يعشن عيشة نكدة من حيث الفقر والحرمان والحاجة؛ ممَّا كان يؤدِّي بهنَّ إلى الانحراف والفساد والمتاجرة بالعرض أحياناً. يضيف المؤلِّف نفسه: " … فَيَعْمَلْنَ بصفة خادمات في المنازل الأوروبية والإسرائيلية، وتقودهنَّ الفاقة والحاجة إلى المواخير، ويعبث بهنَّ عبثًا، تتفتَّت له القلوب، وتنفطر منه الأكباد. فأغلبية النساء في الجزائر تقاسي من المهد إلى اللحد آلام الفاقة والاحتياج والعمل
(1) "مصطفى سويف"، "الشروط الاجتماعية للإبداع"، مجلة فصول، مج11، ع:1، ربيع 1992م، ص: 15.
(2) أحمد توفيق المدني، كتاب الجزائر، ط2، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، سنة 1984م، ص: 362. يتحدَّث المؤلِّف عن وضعية المرأة قبل سنة 1931م.