السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٠٨والحقوق جميعها قد استوفيت، وتحصَّل الرجل على كلِّ مطالبه: " … وبقيت المرأة المسلمة محرومة من ذلك كلِّه، فوجب على الحكومة العادلة، وعلى المجلس الرحيم أن ينصفاها، وأن يرفعا عنها هذا الإجحاف، وأن يعجِّلا لها بالحقِّ الضائع، والثمرة المغصوبة، والحرية المسلوبة، إذن فلتحي العدالة … ولتحي المساواة … "(1).
سؤال محيِّر مقلق متجذِّر في النفس، متململ متقلِّب في القلب تقلُّب الشعور وتدفُّقه وهيجانه، يطفح بالمرارة والحسرة على ما آلت إليه حال المرأة من الاستخفاف والمهانة والتلاعب بها وبكرامتها. وهو في الوقت نفسه ينضح بآيات السخرية والتهكم ممَّن كان السبب في هذه الوضعية.
هؤلاء الذين يكشف تصرُّفهم عن سخافة عقولهم وتفكيرهم الأهوج -في نظر الكاتب- يدفعهم حرصهم المغرض إلى إعطاء المرأة حق الانتخاب، وهو آخر ما يمكن أن يمنح لها - إن كان هذا فعلا ينفعها- بينما الحقوق الأساسية التي تكفل لها كرامتها وشخصيتها، تبقى محرومة منها. ويمعن الكاتب في التهكم بمن يحرصون كلَّ الحرص على إعطاء المرأة حقوقها؛ حينَ يَتَساءَلُ عن الهدف من هذا التصرُّف، في الوقت الذي سلب فيه الرجل كلَّ حقوقه، ولم تحلَّ مشاكله الاجتماعية والاقتصادية، ولم ينل حتى حقَّ الانتخاب، ولو ناله فأنَّه لن يظفر بحريته فيه، في حين أوجبت الحكومة العَادلة والمجلس الرحيم على أنفسهما إنصاف المرأة؛ بدفع هذا الإجحاف عنها، والتعجيل بردِّ الحقِّ الضائع إليها، والثمرة المغصوبة والحرية المسلوبة …
إنَّ الإتيان بهذه العبارات في هذا السياق، وعلى هذا النسق، وقرن كلِّ كلمة بصفة يُمكِّنُ المعنى أن يتقوَّى، والفكرة أن تتَّضح، والمشاعر أن تتفصَّح، بقول الدكتور محمد كامل جمعة: "ومن وسائل القوَّة استخدام الصفات التي تترك في نفس القارئ أثرا جماليًّا، إلى جانب قوَّة دلالتها، والصور التي تثيرها في خيال
(1) عيون البصائر، ص: 117، المقال بعنوان "فصل الحكومة عن الدين".نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 108 (20/ 02/1950م).