السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢١٠

بحقِّها فيه، في الوقت الذي تتخبَّط فيه في مشاكل، وتندب حظَّها التعس في الحياة، فعل هذا ليبقيها تحت سيطرته وسلطانه. عبَّر الكاتب عن هذه التبعية، ورمز لها بحرف "الخاء"، الذي يميِّز اللغة الفرنسية ويُكنَّى به عن التابعين للفكر الفرنسي، وفي الوقت نفسه كشف عن العسر، وعن ضنك العيش اللذين يلاقيهما من يبقى في كنف أصحاب "الخاء"، وأفصح عن الشقاء والتعاسة اللذين يلازمان من يمنِّي نفسه بالعيش في هذا الجوِّ، ومن تظلُّه هذه المظلَّة: "وقاتل الله هذه الخاء، فما أعسرها في المخرج، وما أسعد من لا ينطق بالخاء" بهذه الجملة الرامزة الساخرة يقرِّر الكاتب التبعية الفكرية لمن يجبر على النطق بالخاء، منهم هذه المرأة المسلمة التي ينتحِب لها جهلُها "الخاءَ". كما بيَّن الكاتب أن الشر كلَّ الشر يأتي من هذا الحرف "الخاء"، ورمز إلى ذلك بالمثل العربي "عسى الغوير أبؤُسًا " أي عسى الغوير يصير أبؤسًا، وهو مثل يضرب للرَّجل، فيقال لعلَّ الشرُّ جاء من قبلك(1).

لا نبرح سنة 1950م، ونبقى مع الحروف التي تميِّز اللغة الفرنسية وفكرها، فنلتقي مع مقال بعنوان "ما نَعْغَفْشْ لَغْبِيَة"(2) أي ما نعْرَفْشْ لْعَرْبِيَّهْ، ينتقد فيه صاحبه تصرُّفات آنسة عربية مسلمة (شكلاً)، لا تحسن النطق بلغتها العربية، وكان عيبها يظهر جليًّا حين تحاول النطق بالراء، فتنطق به "غيناً". ذكر صاحب المقال أنَّها اشترت فاكهة من بائع الفواكه، كانت تعدُّ النقود بالفرنسية، عاتبها البائع على هذا التصرُّف، وطلب منها استعمال اللغة العربية لغتها: الأصلية أجابته "ما نعْغَفْشْ لغْبيَّهْ".

تكرَّرت الحادثة مع صويحبات لها؛ فيدور الحديث بين الجالسات، بينما المرأة تبقى واجمة ساكتة لا تنبس ببنت شفة، يُنْتَقَدُ عليها هذا الصمت الطويل تجيب: "ما نَعْغَفْشْ لَغَبِيَّهْ"، ثم تلام على هذا التصرف وتنبه إلى عواقبه الوخيمة، ونتائجه السلبية على المجتمع.

(1) الغوير تصغير غار، والأبؤس جمع بؤس وهو الشدَّة. أصل هذا المثل - فيما يقال- من قول الزبَّاء حين قالت لقومها عند رجوع قيصر من العراق ومعه الرجال، وبات بالغوير على طريقه "عسى الغوير أبؤسًا" أي لعلَّ الشرَّ يأتيكم من قبل الغار. ينظر مجمع الأمثال للميداني، ج2، ص: 17.

(2) ما نعغفش لغبيه (أي لا أعرف العربية) الشعلة، ع: 7 (26/ 01/1950م).

٢١٠ / ٤٩٤