السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢١٢يبوؤون بالخسران في النَّيل من الإسلام، وتدحض حججهم، لكنَّهم لا يقرُّون بهذا الحقِّ. هذا من تمام ضعف نفوسهم، وقصور عقولهم.
فإذا كان الغرب لا يمكن له أن يفلح في النَّيل من الإسلام، فأنَّه ينجح أحياناً في النَّيل من المسلمين. فحين يتقدَّم أحدنا إلى الزَّواج بالأجنبية مثلاً، تؤثِّر فيه هذه المرأة؛ إذ يذهب إليها بعقله الشرقيِّ وشخصيته الإسلامية، فيرجع بعقل غربي بعد أن يُمسخ عقله الشرقي، ومعه هذه المرأة الحارسة له أن يحيد عن الطريق الذي رسمته له.
يصوِّر الشيخ البشير الإبراهيمي - بأسلوب ساخر- هذا التصرُّف، وهذا الضعف في الشخصية، وهذا الاستعداد للتَّخلِّي عن المبادئ ونبذ الأصالة: "إنَّ الغرب لا يعطينا إلاَّ جزءاً ممَّا يأخذه منَّا، ولا يعطينا إلاَّ ما يعود علينا بالوبال، وقد أعنَّاه على أنفسنا، فأصبح الواحد منَّا … يذهب بعقله الشرقي فينبذه هناك كأنَّه عقال على رأسه، لا عقل في دماغه، ثمَّ يأتينا يوم يأتي بعقل غربي، ومنهم من يأتي بعقل غربي، ومعه امرأة تحرسه أن يزيغ"(1).
أية سخرية هذه التي يُتبرَّعُ بها على من فقد شخصيته وأصالته وقوَّة التحكُّم في نفسه، وتُوجَّه لمن يأتي معه بامرأة أجنبية، تحرسه من أن يزيغ عن المبادئ، ويحيد عن الأهداف التي سطَّرها له المجتمع (الجديد)، الذي تفضَّل عليه بهذه المرأة، ومَنَّ عليه بها. وأيُّ تهكم أمرُّ من التهكم بمن كان عقله عقالاً في رأسه، ينزع منه متى أريدَ له ذلك. وليس هو شيئا مثبتاً ومركَّزاً في دماغه، يعينه على التصرُّف بما يتماشى مع المنطق ويتناسب مع مكانة الإنسان وقدره.
وممَّن شُغلَ بموضوع التزوُّج بالأجنبيَّات أحمد رضا حوحو، الذي استنطق حماره الحكيم فأفاده ببعض المعلومات في الموضوع. قَدِمَ إليه حماره في يوم من الأيَّام مبكِّراً على غير عادته. تثير هذه الزيارة دهشة رضا حوحو، يستفسر حماره الأمر،
(1) آثار محمد البشير الإبراهيمي، ج4، ص: 225. المقال بعنوان "داء المسلمين ودواؤهم"، نشر في مجلَّة "المسلمون" ع: 9 س3، ذو القعدة 1373هـ/يوليو 1954م.